نشرت دارة الملك عبدالعزيز قبل أيام على حسابها في تويتر وثيقة صوتية مهمة لأقدم تسجيل للأذان من الحرم المكي تم تسجيله في العام ١٨٨٥م، والتسجيل النادر هو إحدى الوثائق المهمة التي تركها الجاسوس والأستاذ الجامعي والمستشرق الهولندي (كريستيان سنوك هورغرينييه) أو الحاج عبدالغفار كما أطلق على نفسه.. وهو أحد أهم أربعة مستشرقين أوروبيين زاروا الحجاز متنكرين مع (باديا) و(بوركهارت) و(بيرتون).

هورغرينييه أستاذ في كلية ليدن، انتدبته سلطات بلاده الى الحجاز لدراسة الحالة الاجتماعية للسكان، وبالتحديد للإجابة على سؤال غاية في الأهمية بالنسبة للسلطة الاستعمارية الهولندية آنذاك هو: لماذا يعود الحجاج الإندونيسيون من مكة وهم أكثر ميلاً للثورات على المستعمر الهولندي؟!.. عمل هورغرينييه لمدة ٥ أشهر في سفارة بلاده في جدة، قبل أن ينتحل صفة حاج تركي ويتوجه الى مكة في فبراير ١٨٨٥م بصحبة أحد حجاج جاوة.. وعلى الرغم من أنه كان كمن سبقه من المستشرقين قد قرأ (بوركهارت) جيداً، وتأثر به وهذا ما يتضح في كتابه، إلا أن قيمة هورغرينييه تكمن في تعمقه الكبير في وصف المجتمع الحجازي، وفي الوثائق المهمة التي سجلها صوتياً وكتابياً وفوتوغرافياً حيث كان أول من سجل القرآن الكريم والأذان على إسطوانات الشمع، وأول من التقط صوراً فوتوغرافية لمكة وجدة، ولبعض أعيان الحجاز.. بالإضافة الى كتابه الموسوم صفحات من تاريخ مكة.

يصف هورغرينييه المجتمع المكي بالتركيبة المختلطة التي تحمل طابعاً عربياً فريداً.. حيث يقول إن السكان ينحدرون من الأشراف والسادة ومن أبناء القبائل (قبيلة حرب تحديداً) ومن عائلات مكة والمهاجرين الآخرين.. ويصف اللغة بأنها عربية غربية، لأن كل أمة تركت أثرها في الكلمات المستعارة.. أما عن الزي فيقول: ان زي أهل مكة مميز ومعروف، بالرغم من الأزياء المستعارة من الهند.

يضيف هورغرينييه: نادراً ما يقيم ساكنو قلب الجزيرة العربية في مكة، خوفاً من التأثير المفسد لمجتمعها المتنوع!.. ويبرر كثرة وجود المترجمين والمرشدين بتعدد أجناس ولغات مكة.. أما البدو من أهل مكة فيقول عنهم انهم أمناء وأهل للثقة ومتعففون، إذ من النادر أن تجد بينهم من يعمل بمهنة بواب، معظمهم يعملون كجمّالين أو في بيع الأغنام والزبد (السمن) و التمور.

يقول الهولندي الذي درس المجتمع المكي لخمسة أشهر عن الصناعات التي تحتاج الى مهارة أنها محتكرة بيد الأجانب!.. بينما المهنة الرئيسية لأبناء مكة هي استثمار الحج، وهذا ما يسبب بعض الاحتكاكات غير المرغوبة مع الحجاج مقارنة بأهل المدينة المنورة.. وينقل قولاً يبدو أنه كان سائداً في تلك الفترة مفاده «إن أهل المدينة المنورة يعملون من أجل الآخرة، وأهل جدة من أجل الدنيا، وأهل مكة بين الاثنين!» .

يجمع الإسلام ويوحد -بحسب هورغرونييه جميع مكونات مجتمع مكة المتغير المنشأ والذي يتطور باستمرار، ومن الجهة الأخرى يدمج هذا المجتمع نفسه في كل الأحكام المسبقة الآتية من جميع تلك البلدان.

الحاج عبدالغفار لم يشهد موسم الحج كما كان يتمنى، فقد انكشفت حقيقته واضطر للهرب، وقيل تم طرده من قبل السلطات بعد اتهامه بمحاولة سرقة قطع أثرية نادرة (حجر تيماء). حاملاً معه ثروة تاريخية من الصور والتسجيلات التي سجلها التاريخ باسمه.