ابتلى الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام بأن أمره بذبح ابنه الوحيد إسماعيل، فسبحان الله (إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ). يُبيّن الشيخ الشعراوي رحمه الله ما في هذا الابتلاء من شدّة بالغة حيث أنّ الله عزّ وجلّ لم يُخبر إبراهيم عليه السلام فقط بأنّ ابنه الوحيد سيموت وإنّما سيُقتل، بل لم يخبره بأنّ أحداً من النّاس سيقتله وإنّما إبراهيم نفسه هو المأمور بقتل ابنه. وجاء هذا الأمر غير المألوف برؤيةٍ في المنام لكنّ إبراهيم عليه السلام لم يُماطل أو يتأخّر وإنّما باشر في التنفيذ .. تسليماً وإيماناً.

كذلك الابن إسماعيل عليه السلام، الذي سبق وصفه بأنّه (غُلَامٍ حَلِيمٍ)، فقد أحسن هو أيضاً في التسليم لأمر الله تعالى (قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)، ويُلاحظ أنّ اسماعيل لم يذكر كلمة الذبح حتى لا يُثير مشاعر الأب بتذكيره بذلك الفعل الشديد على نفسه وإنّما طلب من أبيه تنفيذ (مَا تُؤْمَرُ)، مهما كان ذلك الأمر.. تسليماً وإيماناً.

وباشر كلاهما في تنفيذ أمر الله تعالى دون تأخير أو تردد.. تسليماً وإيماناً.

(فَلَمَّا أَسْلَمَا) وفي اللحظة الأخيرة من مباشرتهما للتنفيذ (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ)، جاء اللُطف والفَرَج من الله (وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ) وتضمّن النداء إعلان نتيجة هذا الاختبار الصعب والْبَلَاءُ المُبِين مع وصف المُبتلى الأول (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) وتخليص المُبتلى فيه (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ)، والتكريم الرفيع (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ)، (سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ)، وزاده المولى رِزقاً صالحاً من عين ما ابتلاه فيه (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ)، وفوق ذلك أنعم رب العالمين سبحانه وتعالى عليه وعلى ذرّيته بالبركة (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ).

إنّ في قصة هذا الابتلاء العظيم عِبَراً بالغة لنا كمؤمنين، ومن ذلك تبيين الجزاء العظيم لمن يُحسن في التسليم الكامل لأمرِ الله تعالى.. إيماناً وتسليماً، إيماناً: بحكمة الله تعالى في جميع أوامره وقضائه وقدره، وتسليماً: لأمر الله تعالى دون تردد أو تذمّر ودون محاولةٍ لفهم السبب أو سؤال «لماذا أنا؟».

إنّ لله تعالى حِكَماً في ابتلائه لخلقه، قد نفهم بعض تلك الحِكَم ونجهل الكثير عنها. وليس الابتلاءُ دليلاً بالضرورةِ على شقاء العبد، فالأنبياء عليهم السلام هم أشدّ النّاس بلاءً. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوةٌ حسنةٌ، فعلى الرغم من مكانته الرفيعة بكونه سيّد الخلق أجمعين، إلّا أنّ الله عز وجل قد قضى بابتلاءات مُتعدّدة، منها جُرأة الكافرين عليه وإيذاؤهم له ومكائد المنافقين وتكتّل الأحزاب وخروجه صلى الله عليه وسلّم مُهاجراً مُضطراً من بلده، وقد سَلّم عليه الصلاة والسلام لأمر الله على أكمل ما يكون التسليم والإيمان.. فكانت النتيجة أن جزاه الله تعالى عن ذلك النَصْر والرِفعة في الدنيا والآخرة وانقلبت المِحَنُ والبلايا مِنَحاً وفتوحات ودخل النّاس في دين الله أفواجاً، وبلغ عليه الصلاة والسلام عند الله منزلةً لم يبلغها غيره (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ).

فكما أنّ التمارين الرياضية الشاقّة، التي يتدرّج فيها الشخص في رفع أثقالٍ متزايدةٍ، تؤدي إلى رفع كفاءة العضلات وبالتالي زيادة قدرة الجِسم على تحمّل أثقالٍ أكبر. كذلك فإنّ الإبتلاءات، ونجاح المؤمن في التعامل معها بحُسن التسليم والإيمان، تؤدّي إلى السُمو النفسي والروحي.

اللهم ارزقنا حُسن الامثتال لأمرك والتوكّل عليك وارزقنا نور البصر والبصيرة يا ولي يا حميد واجعلنا يا مولانا عبيد إحسان ولا تجعلنا عبيد امتحان.. ومن عُوفِي فليحمد الله.

*وكيل وزارة الحج والعمرة لشئون نقل الحجاج والمعتمرين