تعرفت عليه قبل أربعين عاماً كاملة، وتحديداً عام 1979م حين التقينا في معهد اللغة الإنجليزية بجامعة ولاية كاليفورنيا: سان دييغو، وكنا طالبين في المرحلة المتقدمة التي تؤهلنا للدراسة العليا بالجامعة بعدها.

تعرفت على ذلك المكي المهذب المرتب، الثاقب الذكاء، النقي السريرة، الدائم الابتسامة، القريب من النفس والقلب، الأخ الكريم وصديق العمر، المربي الفاضل الأستاذ محسن بن عبدالرحمن بهادر الذي وافته المنية في أيام المغفرة وتحديداً في الثالث عشر من رمضان لهذا العام 1440هـ، رحمه الله رحمة واسعة.

كنا السعوديين الوحيدين في ذلك الفصل الدراسي مع طلاب وطالبات آخرين من دول عدة، وبعد أن تعارفنا، تآلفنا، وأصبحت لا أفارقه ولا يفارقني خلال أيام الدراسة، وفي عطلات نهاية الأسبوع التي كنا نلتقى فيها مع المبتعثين السعوديين آنذاك وكانوا كثراً، وكان أخي محسن ضمن مجموعة من المعلمين الذين ابتعثتهم وزارة المعارف لنيل درجة الماجستير في تخصصات التعليم Education، وكثير منهم التحقوا بجامعة سان دييغو، ومنهم عبداللطيف بخاري وأمين فلمبان وعبدالعزيز المعلم، وفيصل سروجي وحسن علوان ومن جامعة المؤسس علي أبوغرارة وسامي حنبظاظة، إضافة إلى مبتعثين آخرين مثل حسان كمال، وسمير نحاس، وسامي خوندنة، وعبدالله متبولي وابراهيم بصنوي وابراهيم رمضاني. وهذه مرحلة متقدمة جداً من مراحل الابتعاث تعود إلى أربعين عاماَ مضت ومع ذلك كان المبتعثون في أمريكا وحدها يصل عددهم إلى خمسة عشر ألف مبتعث، وهو دليل قاطع على حرص قادة هذا البلاد المسلمة منذ عهد مبكر على الارتقاء بالمستوى التعليمي والثقافي لأبناء الشعب السعودي الكريم وتأهيلهم علمياً لخدمة دينهم ووطنهم.

كان مستوى إنجليزيتنا متوسطاً أو أعلى قليلاً، ومع ذلك، اعتبرنا أنفسنا أنا وأخي أبو عبدالرحمن رحمه الله سفيرين لبلاد الحرمين في حسن تعاملنا مع زملائنا وأساتذتنا، كما كنا لا نفوت فرصة في أي درس أو محاضرة لنعرِّف ببلادنا ونهضتنا الشاملة وأهميتها التاريخية والدينية والحضارية، ذلك لأن كثيرا من الأمريكيين وغيرهم في ذلك العهد المتقدم ما كانوا يعرفون الكثير عن المملكة العربية السعودية، بل ان بعضهم لم يسمع عنها ولا يعرف أين تقع، ويرجع السبب في ذلك إلى محدودية وسائل الاتصال آنذاك، وإلى الانغلاق الإعلامي الأمريكي الداخلي، الذي لا يزال سارياً الى حد ما في وقتنا الحاضر، وكنت أحس في حديث أخي محسن عن المملكة صدق المواطنة وكل معاني الولاء والانتماء، وهو دور علمت أنه كان يؤديه باقتدار حين كان موفداً من وزارة المعارف للتدريس في اليمن ما بين عامي 1396 – 1398هـ، فكان يمثل بلاده خير تمثيل، ولطالما حدثني عن جهود المملكة في دعم الأشقاء في اليمن ببناء المرافق والجسور والمستشفيات وسواها وأوفدت المملكة أعداداً هائلة من المعلمين آنذاك لتعليم أبناء اليمن في مختلف التخصصات وهو أمر لا يعلمه الكثير من الناس، وكما نعلم اليوم قابل بعض أبناء اليمن من أتباع ايران كل هذه المواقف السعودية المشرفة بالجحود والنكران، بل والعدوان والاستهداف.

وكما خدم أخي محسن التعليم خارج المملكة، تفاني في خدمة العلم وطلابه داخل المملكة، فقد درَّس المواد المسلكية بمعهد المعلمين الثانوي بالقصيم، ثم انتقل إلى معهد المعلمين بمكة المكرمة، إلى حين التحاقه بالبعثة كما ذكرت وحصل على درجة الماجستير في التربية وطرق التدريس عام 1982م.

وبعد عودته أسس ورأس قسم التوجيه والإرشاد الطلابي في إدارة التعليم بمكة عام 1403هـ، كما عمل رئيساً لقسم الاختبارات ومن ثم مديراً لإدارة النشاط الطلابي عام 1419هـ. وله عضويات كثيرة معظمها في مجال التربية والتعليم كما أن له عدة مؤلفات منها: «شموخ في زمن التحدي»، «سيرة ذاتية»، و»تجربتي في النشاط الطلابي» و»المؤسسة العامة لخدمات الحج والعمرة»: الأمل المنتظر». وله مشاركات صحفية معروفة، إضافة إلى تأسيسه لمركز معروف للتدريب والاستشارات التربوية والتعليمية.

رحم الله أخانا المربي الفاضل محسن بن عبدالرحمن بهادر رحمة الأبرار وبارك فيما قدمه من جهود في خدمة العلم والمتعلمين، وجعلها في موازينه.