الحروب أحيانًا تكون وراء قصص حب غير مرئية، كبيرة.. فهي التي تخلفها، وهي التي تجعل منها حدثًا ليس فقط عاطفيًا ولكن أيضًا وسيلة لإطفاء نيران الحروب.. قصة سيليني ويوبا٢ تستحق أن تروى كواحدة من أجمل قصص الحب لأنها تبين قوة المرأة وتأثيرها ليس فقط في سياسة البلاد ولكن أيضًا في هندسة المدينة التي تحمل رشاقة أنثوية ساحرة.. تقف في الخلفية المؤثرة.

سليني أو كيلوبترا الثامنة هي الأخت التوأم لأكسندر هيليوس.. أمها كيلوبترا المعروفة.. وابنة مارك أنطوان.. يقرران تعيين سيليني ملكة على المملكة المتوسطية في الإسكندرية، في ٣٤ ق.م. مما يثير حفيظة روما.. فينشب صراع مميت بين الإسكندرية وروما انتهى بهزيمة الطرف المصري وسقوط مملكة لاجيد Lagide. نتيجة للهزيمة، ألحق أوكتاف مصر بروما.. بينما اقتيدت سيليني إلى روما في أول منفى لها.. كان عمرها وقتها حوالي العشر سنوات.. سهرت على تربيتها أوكتافيا، أخت المنتصر.. تكبر سيليني في أحضان الإمبراطور الروماني، برفقة يوبا٢، شاب مشبع بالقيم الرومانية.. أحبته قبل أن تصبح زوجة له عندما عين ملكًا على موريتانيا، من طرف أوكتاف الذي سيصبح هو أيضًا أوغست، أول إمبراطور روماني.

لعبت سيليني دورًا حيويًا مهمًا في حياة الممالك النوميدية، وتحديدًا في حياة يوبا ٢ بالخصوص في المجال الفني والآداب والهندسة المعمارية.. اختارا أن تكون سيزاري (شرشال/ الجزائر اليوم) عاصمة لهما.. وجعلا منها واحدة من أجمل وأبهى العواصم العالمية في وقتهما بطبقاتها وبمعالمها ومعمارها الغني وتماثيلها التي تجمل كل المؤسسات الرسمية والبيوت الراقية. ويمكن تفحص ذلك إلى اليوم من خلال العمران، والموزاييك والحدائق التي ما تزال محفوظة نسبيًا. هذا الذوق المصفى لعبت فيه سيليني دورًا كبيرًا، فهي متأتية من تقليد عائلي شديد الأناقة والرقي الذي جمع فنيًا بين الأنماط المعمارية الفنية لمصر القديمة والنمط الإغريقي والروماني.. لهذا فالزائر للعاصمة النوميدية سيكتشف هذا التنوع العالي الذي يشكل زواجًا فنيًا حقيقيًا هو نتيجة طبيعية لزواج ثقافي عميق ومهم. تاريخ وفاتها غير مثبت لكن بعض الفرضيات تقول أنه حدث في القرن الخامس قبل الميلاد.. وهذا ينطلق من فرضية مقنعة تتعلق بزواج يوبا٢ بغلافيرا Glaphyra. في فترة قريبة.. مما يعني إنها توفيت في تلك الفترة لأنه وفق القانون الروماني لا يحق للمواطن الروماني أن يكون متعدد الزوجات.

والشاعر الإغريقي كريناغوروس Crinagoros الذي يصف ظلمة قمرية قاهرة ليلتها وهو ما يصادف خسوفًا حدث في ٢٣ مارس في القرن الخامس ق.م.. ثم بدأت تظهر في النقود مع والدها لأن يوبا الثاني كان يلح على الاستمرارية بعد وفاة كيلوبترا.. ترزق بابنين هما دروسيلا وأخوها بتوليمي ويكون هو الوريث لوالديه لمملكة موريتانيا.. يحكم من ٢٣ حتى ٤٠ ثم يتزوج جونيا أورانيا قبل أن يغتال بسبب الغيرة في ليون. القصر كان يجيش بهذه العينات التي كانت تعطي لنفسها كل الحقوق في التقتيل والجريمة.. يوم توفيت سيليني، أقسم يوبا الثاني أن ينشئ لها قبرًا عظيمًا يكون علامة على عظمتها وقوتها.. وترك له مكانًا بجانبها يدفن فيه هو أيضًا.. يسمى المكان اليوم قبر الرومية وهو موجود في منطقة تيبازة في الجزائر مثل الهرم. لكنه هرم كالأهرامات المصرية على الرغم من تأثره بها.. وهو قبر متأثر بالأنماط الهلينيستية القادمة من الإسكندرية ومن القبور الملكية الكلاسيكية في روما.. قبر دائري بأربعة أبواب واحدة فيه فقط تقود نحو الرواق الداخلي الذي يقود نحو قبري سيليني ويوبا٢، بحسب الكثير من المؤرخين، لكن الكثير من الروايات تكذب الأطروحة من أساسها.