يقولون إن الذي لم يتذوق الحب لم يعرف الحياة وأن الحب هو أكسجين الحياة فكم من ناس يعيشون حياة الأكل والشرب والتزاوج لكنهم منزوعي الحب ليس في قلبهم محبوب ولا تأسرهم حبيبة وهناك من حبه نمى معه وهو صغير يرقب عن قرب معشوقته يطرب لرؤياها ويهيم عند لقياها وعبر عن هذا النوع من الحب قيس بن الملوح الذي ذاب في حب ابنة عمه ليلى العامرية التي له فيها قصائد معبرة عن مكنون قلبه ولوعة فؤاده ولا يلومن أحد أحدًا في هواه ومن أروع ما قاله قيس في ليلى شعره الذي يقطر بلاغة وعمقًا في المعاني في قصيدته:

ولما تلاقينا على سفح رامة

وجدت بنان العامرية أحمرا

فقلت خضبت الكف بعد فراقنا؟

قالت معاذ الله ذلك ما جرى

ولكنني لما رأيتك راحلا

بكيت دما حتى بللت به الثرى

مسحت بأطراف البنان مدامعي

فصار خضابًا بالأكف كما ترى

يقول المحللون النفسيون لو أن والد ليلى لم يقف حائلا بين قيس وليلى لما وصل الهيام بهما إلى هذا الحد من الجنون في الحب وأن قيسًا لو تزوج ليلى لهدأت نفسه وأمره أحد اثنين إما أن يذبل حبه أو يتنامى مع الزمن وهنا يتبادر سؤال هل الزواج يقتل الحب أم ينميه؟

من الطبيعي جدًا القول أن الزواج ينمي الحب بين المحبين وكذلك يمكن القول أن الزواج يقتل الحب والقول في هذا وهذا صحيح فمن حبه أصيل وقلبه حبيّب (تشديد الياء) فإنه يسكن (ضم الياء) حبيبه قلبه ويغلق عليه الباب ولا يهمه إلا حبيبه ولا يلتفت إلى غيره وهو الذي يملكه ولا يلام فيه كما قال الرسول صَلى الله عليه وسلم عند ما عبر عن حبه لزوجه عائشة رضي الله عنها: «ياربي هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك» يعني ميل القلب وحبه لها هذا هو الحب الذي ينمو مع الزواج ويزداد ومثله كل حب زوج يزداد حبه لزوجته بعد الزواج وفرق بين أن تتزوج وبين أن تتزوج مع الحب فهناك زواج وهناك زواج مع الحب.. الأول هرموني اجتماعي يؤدي الغرض ويحقق تكوين أسرة وذرية ونواحي إنسانية أما الثاني فهو قلبان في قلب واحد يجري فيهما نفس الدم قد أصابهما سهم الحب فنمى مع الزمان بعد أن سقياه بمعانيه وغذياه بمراميه ولغة الحب لا تحتاج الى مترجم لأنها لغة عالمية واحدة تعيشها القلوب وآه من قلوب المحبين إذا حبت ليس فيها للجمال أو القبح مكان ولا للبياض أو السواد اعتبار تتخطى كل الخطوط الحمراء من دين وطائفة وفكر وحسب ونسب وأصل وفصل بعكس الحب التقليدي حب اللحظة والشهوة فكما تنتهي الشهوة باللذة ينتهي هذا النوع من الحب بالزواج لأن القلب لم يكن أصلا معلق بالقلب إنما تعلق بهرمون الزواج.

كما قال الشاعر :

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى

ما الحب إلا للحبيب الاول

وأحيانًا تقع الزوجة المطلقة في حب الزوج الثاني وترميه بسهمها فتصيب منه القلب فيبقى معها وتحبه ويحبها فتنسى الزوج الأول صاحب الحب «التقليدي» لتعيش مع الحب الجديد «الأصلي»، كما أنه في حالات نادرة يمكن للرجل أن يملك قلبه حب أكثر من واحدة كما يدعي ذلك زميل لي متزوج أربع زوجات وهو حامل لواء التعدد يقول إن قلبه ينبض بحب الأربع مدعيًا أن لديه في القلب أربعة حجرات لكل واحدة منهن حجرة باسمها ومدون فيها حبه وغرامه معها قلت له سبحان الله هذا كلام من الناحية التشريحية لا يقبل لأن المرأة كذلك لها قلب فيه أربع حجرات فالتعدد لا يقوم كله على الحب إنما على الزواج والشهوة وتسديد النواحي الاجتماعية والله أعلم بأحوال القلوب ولا يمنع الأمر من تكرار الحب لثانية وثالثة ورابعة لكنه حب مغشوش أو درجاته أقل والله أعلم وأحكم.