لستُ أدري بالضبط كيف وجدت نفسي هناك.. أُعلن العيد، وكان موعد تسليم هذا المقال.. فلم يخطر على بالي غير السودان.. وعيد السودان.. وشعر السودان..

هل هو السودان وما يحدث فيه؟! أم هو العيد.. بتناقضه وتجليه! أم أنه الشعر.. هكذا.. ينقذني.. ويغنيني «ولكل امرئٍ شأنٌ يغنيه»..؟!

المهم أني وجدت نفسي هناك.. أبحث عن أحمد صلاح إبراهيم الشاعر السوداني العجيب الذي قال ذات دهشة:

«النيلُ..

وخيراتُ الأرض هنالكْ!!

ومع ذلك...!؟»

تعرفتُ على صلاح إبراهيم عن طريق شاعر سوداني آخر.. ذلك هو الصديق المرهف الطيب برير.. وجدت ديوان (غابة الآبنوس) على مكتبه في الجريدة، فسرقتُه لأقرب مكتبة، وصورتُ نسخة.. وقرأت:

«أسبوعٌ مرَّ وأسبوعانْ

وأنا جوعانْ

جوعانُ ولا قلبٌ يأبهْ

عطشانُ وضنّوا بالشَربَهْ

والبحرُ بعيد

البحرُ بعيدْ

النَّاسُ عليهم كلُّ جديدْ

وأنا وحدي

منكسرُ الخاطرِ يَوْمَ العيدْ..»

أما المجذوب محمد المهدي، فقد غنى قبل سبعين عاماً لعيد السودان قائلاً:

«عيدٌ ولم يك قبله من عائدِ

يأتي إلينا باسماً ويبشّرُ

قد كان رهن محاجر من ظلمة

الصبح فيها أعين تتحجرُ»

عرّفني الطيبُ -كذلك- على عبدالقادر الكتيابي، والكتيابي حكاية مستقلة من حكايات الشعر في السودان.. كنا في خضمِّ ندوة صحفية مرهقة، حين ناداني الطيب برير كي نستريح قليلاً على ضفاف واحة من واحات الشعر، وكان يحملُ في يده (ديوان الكتيّابي).. قرأ علي:

قل: عدتَ يا عيدُ عمداً أم هي الصُدَفُ

أم كذبةٌ حاكها الإعلام والصحفُ

هل أنت ذاتُكَ ذاك الـ في طفولتنا

كانت تعدُّ له الساحاتُ والغُرفُ

لا أحسبنّكَ هوْ- ذاتاً ولا صفةً

إن كنتَهُ.. فلماذا الطعم يختلفُ؟

سرقتُ ديوان الكتيابي -بطبيعة الحال- من الطيب برير، ولم يهدأ حتى قايضته يوماً بمجموعة محمد الثبيتي (موقف الرمال)، ولا أعلم لماذا يقفز لذهني الآن محمد عبدالباري، وهو يعلن نبوءة من نوع ما:

«أرى خلف أسوار الحقيقةْ

قبائلَ تنفض رمادَ البسوسِ

وتلبس أعيادها

ليضمّ الشقيق.. شقيقه»

ظللتُ أفكر في عنوان القصيدة الذي اختار عبدالباري (تقويم آخر للقبيلة) حين باغتتني روضة الحاج «كصغيرة.. حلمت بأن العيد خبأ في يديها حلوتين.. فاستيقظت فرحاً.. ولما لم تجد شيئاً بكت حزناً.. ألحت في البكاء..». فسألتها أستوضح.. ما الذي أتى بها، والدنيا عيد.. والناس، كل الناس مشغولة بالعيد.. وبالسودان.. أجابتني دون أن تنظر:

«أَنَا لم أعدْ غَير اضطرابٍ واغترابٍ وَانتِحابٍ

كلمَا أَخفيْتهُ أَنْبَا بِهِ عني القصيدْ

يَتَرَقَّبُ النَّاسُ الِهلالَ تَطَلُّعاً

وأَنا -وحَقِّكَ- لا أَرَىَ في الأُفُقِ بريقَ عِيدْ».

عدت للطيب برير لعله يحل لي هذه المتاهة التي أوقعتُ نفسي فيها ليلة العيد... كنت أبحث عن شيء ما، عن السودان وتاريخه.. عن خبر سعيد في ليلة عيد.. أو عن استعارة تختصر مسافة السؤال الذي يضج في حناجر مهترئة.. لكني لم أجد غير الشعر.. نظرت للطيب برير فأجابني:

«هَذا الشِّعرُ

نافِذةٌ هنا

لُغةُ التَّواصُلِ بَيننَا

يا....

كيفَ أَطفئت القصائد

في دمي

وجلست في كل العرُوقْ

أيكونُ صَمْتُ غِيابِنَا

لغةً لنا..!؟»