يُعَاتبني فَصيلٌ مِن الرِّجَال، وطَائِفةٌ مِن النِّسَاء، بأنَّ قَلمِي -المُتشرِّف بالكِتَابَةِ إليكُم- بَعيدٌ عَن لُغة العِشق، وعِبَارَات الحُب، ومُفرَدَات الغَرَام، حَتَّى أنَّ أَحَد القُرَّاء قَال: (كِتَابَاتك يَا «عَامِل المَعرِفَة»؛ كُتلٌ مِن الإسمَنت اللُّغوَي)..!

لَن أُدافِع عَن نَفسي، فهَذا لَيس مِن عَادَاتِي، كَمَا أَنَّ الله -جَلَّ وعَزّ- يُدَافِع عَنِّي، لأنَّه يَقول فِي كِتَابِهِ العَزيز: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا)، ويَا رَب أَنْ نَكون -أَنَا وأَنتُم- مِن الدَّاخِلين فِي دَائِرة (الَّذِينَ آمَنُوا)..!

صَدّقوني، إنَّني أَشكُركُم عَلَى هَذا الاتِّهَام، لأنَّكم جَعلتمُوني أَعود إلَى دَفتَرِ «العِشق العَرفَجي»، وحِينَ فَتَحتُ أَوّل صَفحة فِيهِ، وَجدتُ هَذه الرِّسَالَة، التي كُتَبَت إلَى مَن يَهمه الأَمر..!

دَعِيني أُلمْلِم لَكِ الأَشوَاق فِي زُجَاجةِ الحُبِّ..

دَعيني أَرسم لوحَة جَمَالكِ عَلَى صَفحة الوَقت..

حَتَّى يُحَاصرني جَمالكِ مِن جِهَاتي الأَربَع..

جَمَالكِ تَغذيةٌ بَصريَّة، وعَينِي تُعَاني مِن جَفَافٍ وجُوع، وتَحتَاج إلَى تَرطيبهَا وتَغذيتها بضِيَاء وَجهكِ، الذي لَا يُشبه إلَّا وَجهكِ..

تَعَالِي نَزرَع «اللّوز والجُوز والفُستق» فِي فَمِ الأيَّام، وإذَا جَاء العُشَّاق مِن بَعدِنَا، تَسلَّوا بهَذه المكسَّرَات، قَبل أَنْ يُكسِّرهم الوَقت..

أَنتِ كالرَّبيع، ولَكن الرَّبيع لَه نَهَايَاته ومَوَاسمه، أَمَّا حضُوركِ وطَلعتكِ، فهي تَحتَل كُلّ البِدَايَات، ومَنزُوعَة النّهَايَات..

إنَّ مَوَاسِم الجَمَال مُستمرَّة، حَتَّى يُخيَّل إليَّ؛ أنَّ مَوَاسم التَّجدُّد والعَطَاء فِي حضُوركِ؛ لَا تَعرف إلَّا الاستمرَار، وقَد شُطِبَت مِن قَامُوسهَا عَلَامَات نهَاية الطَّريق..

أَنتِ «نِعمة مِن الله»، ونِعَم الله لَا تُعدّ ولَا تُحصَى..

وأَنتِ رَأس الخيمَة فِي صَحرَاء الحُب، ومَن عَرَفكِ استَغنَى عَن الأَعمدَة والخيَام، وسَكنَ فِي عَينيكِ..

عَينَاكِ كَمَا يَقول الشَّاعر الكَبير «بدر شاكر السيَّاب»:

عَينَاكِ غَابَتَا نَخِيل سَاعة السَّحَرِ

أَو شُرفتَان رَاح يَنأَى عَنهُمَا القَمَرُ

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي أَن أَقول: عِندَمَا عَرفتكِ، نَقَلتُ كَفَالة الحُب فِي دَفتر إقَامة العِشق؛ إلَى سِجلِّ عَينيكِ، التي لَا تَعرف إلَّا إعطَاء المَكفُول؛ كُلّ حقُوقهِ العَاطفيَّة والغَرَاميَّة..

حِينَ عَرفتكِ، أَصبَح لليَوم لون، وللوَقت شَكْل، وللعُمر مَذَاق.. وبَين اللّون والشَّكل والعُمر، صِرتُ أَطير مِن حُلمٍ إلى حُلم.. ومِن فَضاءٍ إلَى فَضَاء..

فالحُب الذي يَنطَلق مِنكِ ومَعكِ وبِكِ، لَا يَعرف الوقُوف عِند اللّون الأَحمَر..!!