في قصص الجدود عن أيامهم الخوالي حكايات يرددونها من وقت لآخر كلَّما أخذهم الحنين إلى سنيِّ طفولتهم.

من أكثرها سردًا حكاياتهم عن التعليم في الكتاتيب القرآنيَّة، فقد كان لها دور بارز في تربية الأجيال والمحافظة على طابع الهوية الإسلامية واللغة العربية.. في قناعات الأجداد، وهو ما يؤكِّده الواقع، أنَّ أداء الكتاتيب لم يقتصر على التلقين والتحفيظ، بل تعدَّاه إلى تأديب الناشئة وتأهيلهم قبل المدرسة.. كان الشيخ (الخوجة) -وهو غالبًا إمام المسجد- يتصدَّر على أريكة مريحة في قاعة التدريس، وأمامه الأطفال جلوسًا على حصيرة أو بساط، ومع كلِّ واحد منهم لوحه الخشبي للكتابة... يتابعون بخوف وقلق تحرُّك عيون الخوجة خشية أن تطال عصاه رأس أحدهم أو كتفه إذا ما أخطأ في نطق كلمة أو ضحك بدون سبب.. وفي حالات افتعال الشغب، فالفلقة جاهزة.

وكان للخوجة حقُّ العقاب مهما كان قاسيًا وعنيفًاً اعتمادًا على ما درج الآباء على إعطائه من تفويض عند التحاق أبنائهم بالكتَّاب في قولهم له: «اللَّحم لك والعظم لنا» ومع ذلك، فقد تخرَّجت من الكتاتيب أجيال على قدر واسع من المعرفة والثقافة، تتحدَّث اللُّغة العربيَّة بدون لحن من تحفيظ الخوجة إيَّاهم تلاوة كتاب الله بنطق سليم وتعريفهم بمعانيه، إضافة إلى تدريبهم على فنون الخطِّ العربي المتعدِّدة؛ يشكِّلون من أحرف الآيات القرآنيَّة وكلماتها لوحات زخرفيَّة هندسيَّة غاية في الجمال.. وهو فنُّ يفتقده جيل هذه الأيَّام من خرِّيجي المدارس والمعاهد والجامعات الحديثة.

جدير بالذكر أنَّه لم تكن هناك إجازات سوى إجازة عيديِّ الفطر والأضحى، يقضونها مع أهلهم وأقرانهم في أجواء من المرح والسرور لغاية آخر يوم من أيَّام العيد حيث كان يردَّد على مسامعهم قبل هجوعهم في فراش نومهم المثل المعروف: «راح العيد وفرحاته وجاءكم الخوجة وفلقاته»... ليلتها كان النوم يجافي عيون الأطفال تحسُّبًا لما هو قادم من حركة عصا الخوجة والفلقة الجاهزة للضرب على القدمين في حالة نسيانهم ما تعلَّموه من آيات قرآنيَّة أو الكتابة بخط لا يراعي أصول رسم الحروف والكلمات لما قد شغلتهم عطلة الأيَّام القليلة عن المذاكرة.

جيل هذه الأيام على تعدُّد مستوياتهم التعليمية لديهم إجازات غير مسبوقة تصل هذا العام إلى مئة وثلاثة وعشرين يومًا... يسرحون فيها ويمرحون، ولا يعلم إلَّا الله كم يبقى في ذاكرة الكثيرين منهم مِمَّا تعلَّموه قبل الإجازة؛ الأطفال والمراهقين خاصَّة... ما لم يكن الأهل قد رتَّبوا لأبنائهم برامج ترفيهيَّة على قاعدة ثقافيَّة، وتعداد هؤلاء أقلُّ من القليل.

في حالة كهذه، ونحن نعيد بناء صرح مملكتنا مع دخولها المئة الثانية من عمرها المديد بعون الله، يحدونا التفاؤل من أنَّ تنمية 2030 لن تترك الطلبة وهم في إجازة طويلة عرضة للفراغ، وما قد يرافقه من سلبيَّات أقلُها عودة الغالبيَّة منهم للسهر حتَّى مطلع الفجر في غرف نومهم، في بيوتهم، أو في الاستراحات، شاغلين وقت فراغهم بما تتتيح لهم أجهزة التواصل الاجتماعي من مغريات منافية للعرف والأخلاق.. والنوم حتَّى قرب غروب الشمس كما كان عليه بعضهم إن لم يكن أغلبهم في أيَّام شهر رمضان المبارك! وأخطرها الوقوع في شباك مروِّجي المخدِّرات الذين تجنّدهم عناصر مأجورة تعمل على تخريب مجتمع عربي إسلامي منه بعث الله الرسل والأنبياء لهداية البشر، وخاتمهم رسولنا الكريم الذي بعث ليتمَم مكارم الأخلاق.

ومهما كان الماضي جميلا، يبقى المستقبل أجمل.. والترحُّم على أيَّام زمان لا يبني الوطن ولا الإنسان.