من الملاحظ بوضوح خلال السنوات الأخيرة، ظاهرة التفكك الأسري في مجتمعنا السعودي العربي المسلم، وهي ظاهرة غريبة وغير مألوفة في مجتمع يقوم على المبادئ الإسلامية، التي تحث على صلة الرحم، وبر ذوي القربى، والشيم العربية الأصيلة التي تدعو إلى إكرام الأقارب والأصهار و»الفزعة» لهم في النوازل والمحن ومشاركتهم في أفراحهم وأتراحهم، وكانت هذه الصلات الإسلامية والعربية قوية في الماضي القريب، أو قُل قبل أربعة عقود وما قبلها، رغم أن وسائل التواصل المتوفرة في الوقت الحاضر لم تكن موجودة، وكان محظوظًا جدًا من لديه خدمة الهاتف، والأكثر حظًا من لديه خدمة «الصِّفر»، التي تُمكِّنه من الاتصال بآخرين في مدنٍ أخرى، ومازلتُ أذكر أننا كُنَّا نُكرِّر الاتصال عشرات المرات من مكة المكرمة حتى «يشبك» الخط مع جدة، وقد يستغرق ذلك ربع أو نصف ساعة، وفي يوم الناس هذا، بعد أن أصبح الاتصال بالقارات الست يحدث قبل ارتداد الطرف، نجد أن الصلات الأسرية قد تقلصت إلى أبعد حد، بل إن أبناء الأسرة الواحدة، قد لا يعرف بعضهم بعضًا، وأنا أتحدث هنا عن الأسر بمفهومها الاجتماعي العريض، كمن يحملون لقبًا واحدًا، ناهيك عما يحدث كثيرًا هذه الأيام في نطاق الأسرة بمفهومها الضيق، الذي يشمل بعد الأبوين والإخوة، أبناء العم وأبناء الخال والعمة والخالة وأبناءهم وبناتهم إلخ، إذ أعلم علم اليقين أنه في معظم الأسر اليوم قد لا يعرف بعض الأبناء أبناء أعمامهم أو أخوالهم، وإذا ما التقوا في مناسبة ما من الأفراح أو الأتراح قد لا يُسلِّم أحدهم على الآخر لأنه لا يعرفه.. إن كانت تلك الحال بين الأقربين، فما بالنا بأصحاب اللقب الواحد من أبناء الأسر الكبيرة التي اتسعت وازداد عدد أفرادها في الوقت الحاضر حتى وصل إلى الآلاف كما هي حال أسر مكية أو جُدية أو مدنية معروفة في الوقت الحاضر ، لذا بات ضروريًا أن تبادر النخب من أبناء هذه الأسر العريقة وتسعى لإعادة الصلة بين أبناء الأسرة، وما عاد ذلك أمرًا صعبًا في ظل هذه النهضة والثورة الكبرى في وسائل الاتصال الحديثة المعتمدة على التقانة الباهرة.

وأنقل للقراء الكرام تجربة لأسرة عريقة وكبيرة من الأسر المكية المعروفة هي أسرة آل عُريف، التي أتشرَّف بالانتماء إليها، وهي أسرة تعود أصولها إلى قبيلة هذيل الأصيلة التي تضرب أصولها في أعماق التاريخ، وعُرف أبناؤها بالشعر والفروسية والشهامة قبل الإسلام وبعده، هذه التجربة تتمثل في مبادرة من بعض أبناء الأسرة، وهم أبناء المرحوم العم إبراهيم عُريف، بدعوة جميع أبناء أسرة عُريف إلى حفل معايدة كبير في مكة المكرمة، التقى فيه بعضهم ببعض، وتبيَّن أن كثيرًا منهم لا يعرفون أقرباءهم وبني جلدتهم، فتمّت الصلة وتبادل الجميع أرقام التواصل ليستمر هذا التواصل إلى ما شاء الله، وتأسَّس صندوق العائلة في الحفل، وعُيِّن له نظار، ومهمته عون أبناء الأسرة في حال الحاجة في الأفراح والأتراح، وتشكَّلت لجنة لإصلاح ذات البين وحل المشكلات الأسرية التي لا تخلو منها أسرة من الأسر، وقد سبق حفل المعايدة دعوة لمعايدة جماعية من الشيخ عتيق القارحي وجهها لأبناء قبيلة هذيل، ووجه جزاه الله خيرًا دعوة خاصة لآل عُريف، في حفل كبير حوى فقرات ثقافية وأدبية متنوعة، وجرى خلاله تعارف عام بين أبناء القبيلة إضافة إلى أبناء قبائل أخرى، وحضره عدد من شيوخ القبائل منهم الشيخ فهد بن سالم المعطاني، وتأتي هذه اللقاءات جميعًا في إطار الترابط الأسري وصلة الرحم وتفقد أحوال ذوي القربى، وتؤدي بدورها إلى تقوية وترسيخ الترابط المجتمعي، وهو أمر نحتاجه بقوة في الوقت الحاضر، وقد سُقتُ هذه التجربة لتفيد منها كل أسرنا وكل قبائلنا في جمع الشمل، وتوثيق عُرى المحبة والأخوة والتآلف في مجتمعنا السعودي المسلم.