Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد بشير كردي

حلٌّ مفترض لقضية العصر!

A A
مَن يسرقون الأرض ويُشرَّدون أهلها الذين تمتدُّ جذورهم فيها إلى بدايات تاريخ البشريَّة، يسهل عليهم سرقة تراث الشعب الفلسطيني العربي، ونسبه إلى طوائفهم متعدّدة الأعراق التي لا رابط بينها إلَّا اعتناقهم الديانة اليهوديَّة بلباسها الصهيوني الذي صمَّمه المتحكّمون باقتصاد العالم وثرواته، منذ أن وضعت الحرب العالميَّة الأولى أوزارها.

ولإثبات ما اغتصبوه من فلسطين العربيَّة، يستشهدون بما يدَّعون أَنَّه قول الربَّ في توراتهم: «اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. فَأجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِل الأَرْض».

لست هنا في مجال تأكيد صحَّة أو رفض ما يدَّعون أنَّه ما جاء في التوراة!

لو افترضنا أنَّ ذاك كان وعد الربَّ، فالوعد الإلهي قد خصَّه الله بالعرب الذين آمنوا بوحدانيَّة الخالق، واعتنقوا الديانة اليهوديَّة من زمن أنبياء بني إسرائيل. أمّا الغالبيَّة المطلقة من اليهود المعاصرين، فهم من شتَّى أصقاع العالم ومن أعراق متنوَّعة ومختلفة، وليسوا من أولئك الذين خصُّوا بوعد الله.

الاضطهاد الذي تعرَّض له اليهود في ألمانيا وغيرها من بلدان العالم، لم يكن بسبب التعصُّب الديني، بقدر ما يُعزى لطريقة حياتهم واستعلائهم على سواهم بعد أن احتكروا تجارة المال وإقراضه بفوائدٍ مرتفعة أثرَّت سلبًا على اقتصاد كلِّ مكانٍّ وجدوا فيه. واستغلالهم الثروة للسيطرة على القرارات العالميَّة المصيرية.

اليوم، وقد تمكَّن الصهاينة من بسط سيطرتهم على كامل التراب الفلسطيني، وعجزوا عن إسكات صوت الحقِّ الفلسطيني وإصرارهم على التمسُّك بإرثهم وأرضهم، تقابل ذلك رغبة دوليَّة للتوصُّل إلى حلّ سلميٍّ يضع حدّا للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فكان مؤتمر المنامة في البحرين الذي قدَّم فيه كوشنر؛ صهر الرئيس الأمريكي ترامب مشروع خطَّة (تسوية ماليَّة) دون الخوض في تفاصيل الحلِّ النهائي.. قد تكون إمكانيَّة نجاح المقترح الأمريكي صعبة المنال. في المقابل، ما تزال المبادرة العربيَّة قائمة، وتتضمَّن الاعتراف بإسرائيل بحدود متَّفق عليها دوليًّا، مقابل إقامة دولة فلسطينيَّة كاملة السيادة فوق التراب الفلسطيني وعاصمتها القدس الشريف.

مبادرة تتهرَّب الحكومة الإسرائيليَّة من وضعها على طاولة المفاوضات للحل النهائي لقضيَّةٍ ما تزال تُهدِّد السلم العالمي، وتفتح الأبواب أمام عصابات الإرهاب والتطرُّف من جميع الأديان لممارسة العنف والإجرام وتهديد السلم والأمن بغطاء مذهبيًّ أو طائفيٍّ.

يتساءل صديق من اليابان عن مدى إمكانيّة وضع تجربة جنوب إفريقيا في إنهاء الصراع الذي كان بين السكَّان الأصليِّين والبيض الأوروبيِّين الذين هاجروا إلى إفريقيا واستعمروا البلاد والعباد عقودًا عديدة. فبعد انتفاضات دامية، أرغم الأوربيِّون البيض في النهاية إلى قبول مبدأ تقاسم السلطة متساوين في الحقوق والواجبات.

ترى هل ستصل الأمور إلى انتفاضات دامية يقوم بها الفلسطينيّون تؤدَّي في النهاية إلى قبول الصهاينة بحلٍّ مماثل كما تحقَّق في جنوب إفريقيا؟ لقد اعتاد الفلسطينيُّون على التضحية بأرواحهم ودمائهم في سبيل حرّيتهم ورفع الضيم عنهم مُردِّدين مع الشاعر أحمد شوقي: وللحرِّيَّةِ الحمراءِ بَابٌ بكلِّ يَدٍ مضرَّجة يُدَقُّ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store