تزخر المدينة المنورة بالعديد من النقوش الأثرية القديمة التي يعود بعضها إلى بدايات القرن الأول الهجري، وتنوعت نصوصها بين أبيات شعرية، وآيات قرآنية، وأحاديث نبوية، وعبارات وعظية، وأدعية، وأسماء أشخاص، وغيرها من النقوش.

وتوجد العديد من النقوش الإسلامية في سفوح الجبال وفي الصخور وعلى ضفاف بعض الأودية داخل المدينة المنورة وفي القرى التابعة لها، حيث تظهر غالبية النقوش الاعتماد على الخط المدني في ذلك الوقت لرسم النقش وحفره على الصخور، والعناية برسم حروفه والحفاظ على مستوى تباعدها بدقة، كما توحي بانتشار الكتابة والقراءة والتعلّم بين أفراد المجتمع المدني، ما يعدّ بمثابة دلائل مادية محسوسة على عراقة الحضارة الإسلامية وانتشار تراثها النفيس، والعناية به حتى وقتنا الحاضر.

عوائل وقبائل

ولفت المغذوي النظر إلى أن من جملة هذه النقوش نقوش لعوائل اشتهرت بالنقش في بعض الأمكنة، كآل البيت، وآل عمر بن الخطاب، وآل الزبير بن العوام، وبني أزهر -رهط عبدالرحمن بن عوف- ومن القبائل تجد لجهينة نقوشًا تتركز غرب المدينة المنورة باتجاه ديارهم، وتجد لنسائهم نقوشًا مجاورة لنقوش رجالهم، ومن القبائل أيضًا الأوس والخزرج، وتتركّز نقوشهم بالقرب من المدينة المنورة، وعند بساتينهم في أطراف المدينة، وكذلك قبائل مزينة، وأسلم، وغفار حيث تجد غالبية نقوشهم قد نقشوها في ديارهم.

وذكر أن من العوامل التي أفقدتنا الكثير من الآثار القيّمة في المدينة المنورة وباديتها بعد التمدّد العمراني هي أعمال معدات تكسير الحجارة «الكسارات» وكذلك بناء المنازل من الحجارة في الديار، وكذلك بناء السدود العشوائية للمزارع والآبار بالحجارة، إضافة إلى حالات التعدّي على أودية كاملة بالعقوم الترابية وإقفالها بما تحتويه من آثار أمام الباحثين.

بدوره استعرض مدير فرع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بمنطقة المدينة المنورة فيصل بن خالد المدني الجهود المبذولة للعناية بالنقوش الإسلامية ومواقعها، وحصرها وتوثيقها، بوصفها تمثّل جزءًا من التراث الوطني الذي يحظى بعناية واهتمام الدولة -حفظها الله- وخاصة ما يتعلق بالتراث الإسلامي في المدينة المنورة وغيرها من المواقع، مبيِّنًا أن المدينة المنورة تضم الكثير من مواقع الآثار متعددة الفترات، والكثير من النقوش الصخرية والرسومات والتي أهمها النقوش الإسلامية التي ترتبط بالفترة الإسلامية المبكرة، فهي متنوعة الأنماط ومتفرقة الأماكن، إذ يوجد بعضها على سفوح الجبال وأخرى في جوانب الأودية والحرار.

مهددات الآثار والنقوش
  • التمدّد العمراني.
  • أعمال معدات تكسير الحجارة «الكسارات».
  • بناء المنازل من الحجارة في الديار.
  • بناء السدود العشوائية للمزارع والآبار بالحجارة.
  • التعدّي على الأودية بالعقوم الترابية وإقفالها بما تحتويه من آثار.


الخط المدني

وقال الخبير والباحث المهتم باستكشاف الآثار والنقوش الإسلامية المبكرة بمنطقة المدينة المنورة محمد بن عبدالله الرثيع المغذوي إن ما تكتنزه المدينة المنورة من آثار ونقوش تمثّل جزءًا من التراث الحضاري والإنساني العريق الذي تحويه الجزيرة العربية، مبيِّنًا أن جولاته الاستكشافية أثمرت عن رصده أكثر من ثلاثة آلاف نقش تعود لحقب زمنية عديدة، تم توثيق العديد منها، ولايزال يكتشف المزيد في كل جولة جديدة يقوم بها. وعدّ النقوش المكتشفة دليلًا ماديًا مهمًا فيما وصلنا من الآيات والسور ومن السنة النبوية، وفي وشتى العلوم كالأنساب، وعلم التراجم، والأدب، والتاريخ، والخط، واللغة، منها نقوش للصحابة، وللتابعين، والقضاة، وأصحاب الشرط، والحسبة، ممن لهم ذكر في المصادر التاريخية المتقدمة. وأفاد أن أهم ما يميّز هذه النقوش الإسلامية المبكرة، ويعطيها قيمة تاريخية أنها كتبت بالخط المدني الذي كتب به القرآن الكريم، والرسائل النبوية، وغيرها، في القرن الأول الهجري، وفي نصوصها موافقة للكتاب، والسنة النبوية الصحيحة، وأن جُلّ أصحابها هم من سكان المدينة، أو ممن يتردد عليها كثيرًا، مضيفًا أن هذه النقوش يعود تاريخها إلى الفترة الزمنية ما بين القرن الأول والرابع الهجري، بينما يوجد بعضًا من تلك النقوش المكتشفة لم يتم التحقّق من زمن تدوينها حيث لم يتم العثور على ترجمة لناقشيها في المصادر التاريخية.

آلية توثيق النقوش

وحول آلية توثيق النقوش الإسلامية المكتشفة أفاد المدني أن التوثيق يكون من خلال المسوحات الميدانية التي تقوم بها فرق الهيئة بشكل مستمر، حيث تعمل على البحث عن المواقع ودراستها وتوثيقها علميًا، وتسجيلها في سجل الآثار الوطني بقطاع الآثار والمتاحف بالهيئة، بالإضافة إلى نشر الدراسات العلمية عنها بالتعاون مع الجامعات الدولية والمحلية والمجلات العلمية ودور النشر المختصة، علاوة على إعداد الأفلام الوثائقية وبثها عبر وسائل الإعلام المتنوعة، كما تستقبل الهيئة من خلال جميع قنوات تواصلها بلاغات المواطنين عن أماكن وجود الآثار والنقوش وتقوم بالوقوف عليها وحمايتها.

وبشأن وجود إحصائية رسمية تتعلق بعدد النقوش الإسلامية المكتشفة في منطقة المدينة المنورة، قال: حرصت الهيئة منذ نشأتها على إنشاء سجل للآثار الوطني يوثّق جميع المواقع الأثرية والتراثية وأماكن وجودها وكل تفاصيلها، فقد بلغت المواقع الأثرية المسجلة في منطقة المدينة المنورة أكثر من (1382) موقعًا حتى مطلع هذا العام 1440هـ، وما تزال المواقع تكتشف وتسجل خصوصًا النقوش الإسلامية والرسومات الصخرية نظرًا لانتشارها في جميع أرجاء المدينة المنورة وبكافة طبائعها الجغرافية.