ثلاث محددات للسياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط، لم تتبدل على مدى قرابة نصف قرن، هي على الترتيب: أمن اسرائيل، تأمين منابع النفط وخطوط نقله، الحرب على الإرهاب. هذه العناوين الثلاثة للاستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة ثابتة، لكن التفاصيل قد تختلف أو تتبدل، تبعاً لظروف ومتغيرات، بعضها دولي، وبعضها إقليمي، وبعضها محلي (أمريكي أو شرق أوسطي).

في الأزمة بين ايران وبين الولايات المتحدة، احتشدت العناوين الثلاثة للاستراتيجية الأمريكية، وتجسدت على نحو فريد، فإسرائيل هي أحد أهم دوافع السلوك الامريكي في الأزمة حول ملف إيران النووي، بسبب التزام أمريكي مطلق بأمن إسرائيل، يشتمل، ضمن ما يشتمل، على تعهد أمريكي ثابت، بضمان تفوق القدرات العسكرية الإسرائيلية على الجوار المحيط بها كله. أيضاً، فقد مثلت سياسات طهران تجاه الجوار الخليجي، تهديداً مزمناً لمنابع النفط وممرات تصديره، بدأ منذ الحرب العراقية-الايرانية عام١٩٨٠ واستمر حتى ساعة كتابة تلك السطور، فهو إذن ليس مجرد تهديد عارض مرتبط بظرف أو بوقت، لكنه تهديد استراتيجي، بات هو ذاته جزءاً من إستراتيجية ايرانية تستهدف تطويع الخليج لحساب مصالح طهران في المنطقة، وهو وضع لا تطيق أي من دول المنطقة التعايش معه أو الخضوع لحساباته، والقبول بمقتضياته.

تطويع الإقليم لحساب المصالح الايرانية فيه، جرى في الغالب، عبر وكلاء يعملون لحساب طهران في العراق وفي سوريا ولبنان واليمن، هؤلاء الوكلاء شنوا حروب عصابات ضد الدول المستهدفة لحساب ايران، وبتمويل، وتدريب، وتسليح، وتأهيل، من جانبها، وهو ما أنتج الدافع الثالث من دوافع الاستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة، وهو «الحرب على الإرهاب».

تجمعت اذن كافة الدوافع المعلنة للتدخل الأمريكي بالقوة، لدفع الخطر عن إسرائيل، وتأمين منابع النفط ومسارات تصديره، والحرب على الإرهاب، لكن ثمة قيود على استخدام القوة المباشرة بهدف تغيير السياسة الايرانية تجاه الإقليم، أو إنتاج حقائق قوة جديدة على الأرض، بعض هذه القيود محلي (أمريكي) يخص حسابات تتعلق بالكونجرس، والبنتاجون، والاستخبارات، وكذلك بالانتخابات الرئاسية في نوفمبر من العام المقبل، والتي يتطلع الرئيس الأمريكي ترامب الى الفوز فيها بفترة رئاسية ثانية، تبقيه في موضع القرار حتى العام ٢٠٢٤، وبعض تلك القيود إقليمي، يتعلق بموقف العراق وبعض دول مجلس التعاون الخليجي مثل قطر، وبعضها دولي يتعلق بمواقف بعض حلفاء واشنطن في أوروبا، ممن كانوا يفضلون عدم انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع ايران، أو بتحفظات أشد على أسلوب المعالجة الامريكية لهذا الملف، تبديها كل من روسيا والصين.

هذه القيود الثلاثة، فضلاً عن ميل ثابت لدى إدارة ترامب، بتجنب التورط في نزاعات مسلحة، والاكتفاء بدلاً من ذلك، بالتلويح باستخدام القوة، من خلال حشد الحشود، وبناء التحالفات، أتاحت لطهران متنفساً، تحاول من خلاله، الرد على الضغط بالضغط، وعلى التهديد بالتهديد، وعلى التصعيد بالتصعيد، وبدا وكأن النظام في طهران يحرز مكاسب داخلية عنده، بحشد جماهيره خلف سياساته، كلما سنحت له الفرصة لذلك، وهو ما فعلته مثلاً عملية إسقاط طائرة شبحية أمريكية بدون طيار فوق مياه بحر عمان، والتي مرت دون رد عسكري أمريكي مباشر.

يتصرف الإيرانيون في الأزمة، وكأن لديهم يقيناً بأن سقف التصعيد الأمريكي ضدهم محدود، بإجراءات بعضها تجاري أو مالي أو سياسي، وانه لن يبلغ في أي وقت حد استخدام القوة الأمريكية المباشرة ضد طهران. ويتصرف الأمريكيون في الأزمة وكأنهم واثقون من قدرة العقوبات على إجبار طهران على الانصياع للشروط الأمريكية.. اثني عشر شرطاً وضعها بومبيو ثم عاد ترامب ليختزلها في ثلاثة شروط، أحدها بشأن البرنامج النووي، والثاني بشأن الصواريخ الباليستية، والثالث بشأن تدخلات إيران في الجوار الإقليمي، لكنه عاد مؤخراً ليقول انه لا يريد من طهران سوى أمر واحد فقط، هو التخلي عن أية محاولات أو تطلعات لامتلاك سلاح نووي.

شرط ترامب الأخير الوحيد، قد يمثل طوق النجاة لإيران من جهة، كما يتيح مخرجاً أمام ترامب الذي لايريد الاضطرار لشن حرب، فالإيرانيون لا يمانعون في توقيع اتفاق يضع قيداً زمنياً على برنامجهم النووي يمتد - كما يريد ترامب- حتى عام ٢٠٤٥، بدلاً من عام ٢٠٣٠، طبقاً للاتفاق الذي وقعه الرئيس الامريكي السابق أوباما.

ايران جاهزة لشرط ترامب الوحيد، وفرنسا على خط الوساطة، للجم التصعيد أولاً، ولإقناع الأطراف بالعودة الى طاولة التفاوض ثانياً.

ترامب يريد اتفاقاً مع ايران، يتيح له انتصاراً رمزياً على أوباما صاحب الاتفاق القديم، وخامنئي يريد تخفيف الحصار الاقتصادي الخانق على بلاده، فيما يتطلع الرئيس الفرنسي ماكرون الى إنجاز قد يؤهله للانضمام الى حملة ميدالية نوبل للسلام.

الأسابيع المقبلة قد تشهد تصعيداً متبادلاً يمهد المسرح الاقليمي، لجولة تفاوضية جديدة.