نقسو أحياناً على أنفسنا عندما نحملها فوق طاقتها، بالسهر ومواصلة الليل بالنهار! لكننا نرتكب جرماً في حق صغارنا عندما نتركهم يواصلون الليل بالنهار بحجج مختلفة كالمشاركة في المناسبات العائلية أو الإجازة الصيفية.

أعترف أن صيفنا ساخن جداً، وشمسه غاضبة ومزمجرة، تهدد من يتورع بالخروج أمامها بالويل والثبور وعاقبة الأمور؛ لذلك تلوذ الأسر بالبيوت والغرف المكيفة، حتى يقبل المساء هاشاً باشاً، رغم أن الأمسيات في الصيف تكون ثقيلة ومبتلة بالحرارة والرطوبة. ينشغل الجميع بالمرح والسهر وهي أجواء مبهجة لولا أن جسد الأطفال وطاقتهم لا تحتمل هذا الانقلاب الصيفي وتحول النوم من الليل إلى النهار.

إذا أجبر الإنسان الجسد على اليقظة وتجاوز وقت نومه كثيراً، هل يخذله القلب وينام، حتى لو بدا الجسد نشيطاً خصوصاً بالنسبة للأطفال الذين يرفضون الانصياع لرغبة الجسد، فيقاومون سلطان النوم بالمزيد من اللعب والحركة، التي تنخفض حيويتها بالتدريج، وهم يقاومون ويصرون على فتح أعينهم، مع أن القلب أو مراكز الانتباه قد غفت أو نامت، وتخلت عن ضبط حركة الجسد، أم أن للقلب عيوناً كما تقول نجاة الصغيرة : عيون القلب سهرانة مابتنامش، من شدة الشوق أو الهوى في حالة العاشق مثلاً؟!

والقلب ذاته هل يغفو إذا كان خالياً من لواعج الهوى أو الخوف والقلق، أم أنه يتبع حالة الجسد؟

النساء المكيَّات كن يعبرن عن شدة احتياج صغارهن إلى النوم: بأن « قلبه نائم» حيث لم يكن السهر عادة صيفية أو رمضانية، رغم أن ذلك الزمن كان مميزاً بالفطرية، فلم تُعرف قنوات التواصل الاجتماعي ولا الواتس الذي يضخ المعلومات بشكل جعل الجميع منزعجاً وكارهاً له ولكن الجميع متمسك به رغم ما فيه من مواد مزعجة وإشاعات، ليس هذا هو المهم في الأمر، لكن المهم أن المجتمعات قبل انهمار المعلومات وكثرة المتخصصين في علم الطفولة والتغذية والصحة النفسية الذين تستضيفهم الفضائيات ومشاهير السناب ومحرك البحث قوقل الذي استعنت به لمعرفة أضرار قلة النوم على الأطفال، كانوا أكثر وعياً أم أنهم استجابوا للفطرة طواعية؟

السهر تحول إلى لازمة صيفية ورمضانية، لا ينتظم الأطفال في النوم إلا أيام الدراسة فقط وربما تحولت الاجازة الأسبوعية أيضاً إلى فرصة للسهر فيأتي اليوم الدراسي الأول من كل أسبوع ثقيلاً مملاً، لأن سهر الأطفال يؤدي إلى : «قلة إفراز الهرمونات الضرورية للنمو وبناء الجسم، كذلك إفراز هرمون الميلاتونين الضروري لاكتساب الحيوية والنشاط»، لذلك يشعر الأطفال الذين يعانون من السهر بالكسل والخمول والشعور بالتوتر العصبي والقلق وسرعة الغضب بسبب عدم استرخاء الجسم ليلاً.

لا أريد تقمص دور الطبيب أو الناصح فالمعلومات حول فوائد النوم المبكر وأضرار السهر على الأطفال موجودة لمن يهتم بصغاره وصحتهم، أردت فقط التذكير بالخطأ الكبير الذي يرتكب كل صيف في حق الصغار، أما بالنسبة للكبار فلا أستطيع قول شيء على رأي: «لا تنه عن خلق وتأتي بمثله « لأني أعشق الليل وأشعر بالطاقة والنشاط ولا أعرف النوم المبكر إلا نادراً وفي أوقات استثنائية.

مارست السهر على كبر بعد أن كبر أبنائي ولم أعد مسؤولة عن إيقاظهم ومرافقتهم إلى مدارسهم ومتابعتهم خلال ذهابهم إلى الجامعة وتجهيز طعامهم بعد عودتهم، ربما أرتكب خطأ لكنه لا يتجاوزني،

لكن الخطأ الذي تقع فيه الأمهات والآباء بترك صغارهم يمارسون السهر بحجج واهية هو خطأ جسيم لأنه يؤثر على صحة صغارهم ونموهم وذكائهم وجهازهم العصبي وعطائهم مستقبلاً عندما يصبح السهر عادة تعيق نجاحهم وتفوقهم في دراستهم أو أعمالهم عندها يرتد الخطأ على قلوب الآباء والأمهات ويشعرون بالإحباط والخذلان لتدني مستوى الأبناء.

تلك هي القضية التي تبدأ صغيرة وغير مرئية كالشرر يختبئ في كومة الحطب لا يُرى إلا بعد أن يشعل حريقاً ويأتي على كومة الحطب!