المألوف في الدراسات البحثية أن حل المشكلة يتولد عنه مشكلات حادثة بمجرد انتهاء المشكلة الأم؛ فتظليل زجاج السيارة حَلٌّ حَدَّ من تلصُّص البعض، بالمقابل تولدت عنه مشكلات أخرى، منها استخدام البعضِ التظليلَ وسيلةً للتهريب. وعلى هذا يتبين لنا أن المشكلة البحثية ليس لها عمر افتراضي تنتهي عنده، وهو الأمر الذي يمكن إسقاطه على العديد من القضايا والإشكاليات، ومنها قضية التطرُّف الذي يعني العدول عن المنهج المستقيم إلى أحد طرفيه (غلوًّا أو تفريطًا). ما يهمنا هنا هو الغلو الذي يتمثل في التشدد على حساب الوسطية، وفي سيادة الرأي الأوحد على حساب الآراء الأخرى، وفي ممارسة العنف بدلاً من الحكمة، وسنتوقف عند بعض الحلول التي يرى واضعوها أنها حلول جذرية للتطرف، ومن تلك الحلول التي ظهرت مؤخرًا حلٌّ يتمثل في أَطْر المجتمعات العربية والإسلامية على منهج واحد هو منهج التصوُّف؛ بوصفه منهجًا يتحلل من العلائق الدنيوية، بحيث ينقطع المتصوف للآخرة، فلا يفرض رأيًا، ولا يمارس عنفًا، ولا يُزاحم تاجرًا في متجره، ولا وزيرًا في وزارته، ولا سياسيًّا في سلطانه. التصوف أمر محمود متى كان على أركانه ومفهومه الذي كان عليه في مطلع تشكله، خصوصًا والمتصوفة الأقدمون كإبراهيم بن أدهم والحسن البصري.. إلخ، كانوا غير بعيدين عن منهج الكتاب والسنة الصحيحة، غير أن الذي حدث هو أن التصوف مع تقادم عهده نحا -كغيره- منحىً آخر فتناوشته الكثير من البدع والأهواء حتى أصبح مفرِّخًا للخرافات والدروشة، ومارس بعض مريديه أنواعًا من العبادات المفضية للشركيات والإلحاد. وحين النظر في الدعوة لجعل التصوف علاجًا للتطرف فإن السؤال المطروح هو عن أي تصوف يمكن أن يكون علاجًا؟ أهو التصوف في صورته الأولى، أم التصوف في صورته المتأخرة؟ المؤشرات تدل على أن التصوف الذي يُراد أَطر المجتمعات عليه هو التصوف في صورته المتأخرة، وهو التصوف الذي منهجُهُ وأكثر أقطابه ورموزه ليسوا على منهج قُدماء المتصوفة. ومما يزيد حالة الشك في هذه الدعوات ما ذكره (شحاتة صيام) ضمن مداخلته في الملف الذي أعدته مجلة الفيصل في عددها الحالي (٥١٣-٥١٤) عن التصوف حين قال «إن ضغط الرأسمالية العالمية لتمازج الديانات الأرضية والسماوية... ومسخ الهوية وقبول الآخر، جعَلَهم يفتشون عن تيار ديني في داخل هذه البلدان ليقف موقفًا مناهضًا من التشدد، وينسجم مع توجهاتهم، فوجدوا الصوفية تعبر عن ضالتهم». مضيفًا إن لجنة الكونغرس الخاصة بالحريات أوصت «بضرورة تشجيع الحركة الصوفية لتكون آلية فاعلة على الصعيد السياسي، فالزهد في الدنيا والانصراف عنها، وعن عالم السياسة يضعف ولا شك من صلابة مقاومتها للاستعمار».

وفي مداخلة لـ(تركي الحمد) أكد على أن الصوفية «تجربة ذاتية فردية لا يمكن لها أن تكون أساسًا لخطاب سياسي واجتماعي عام» مشددًا على أن «بنيتها وجوهرها في تناقض وجودي مع نهر الحياة».

وفي مداخلة لـ(خالد العنزي) ذكر أن التصوف «كفيل برفع الحرج عن السياسة للدول في المنطقة في مواجهة القوى الكبرى والنظام الدولي والمصالح الغربية»، معللاً ذلك بكون التصوف لا يحمل مبادئ كالجهاد والولاء.

من هذا يتضح أن الدعوات لجَعْل التصوف علاجًا للتطرف أتتْ من كون التصوف يضمن صَرْفَ الإنسان وانفصاله عن الحياة العامة والمشاركة فيها، وإدخاله في نفق من التجهيل وتغييب الوعي. وبهذا ووفق ما قلناه في مفتتح المقال يتضح أن هذا العلاج يتولد عنه إشكاليات ربما تَفُوق مرارةً إشكالياتِ التطرف نفسه، بالتالي فعلاج التطرف ليس بالتصوف؛ وإنما بالوسائل التي تأتي على أسبابه الحقيقية.