لم تكن بيجامة العيد مجرد بيجامة، لم تكن تعبيراً عن رغد في العيش أو ثراء أو نحو ذلك، بل كانت رحلة عرق وكدح.. وخلاصة زراعة وصناعة وعلامة!

قماش ناعم رقيق كالسماء، واتساع الفضاء، ثم بعد ذلك كله أناقة وشياكة ووسامة!

تبدأ رحلة بيجامة العيد الجميلة من حقول القطن طويل التيلة إلى الماكينة، مروراً بمحالج الأقطان، ومصانع الغزل والنسيج، ومعامل صباغة الألوان.. وتكتمل الروعة عندما يكون سعرها خارجاً من حصيلة بيع قنطارين أو ثلاثة من نفس القطن.. طنين من البطاطس أو ثلاثة.. أردبين من القمح أو ثلاثة.. إنها دورة الحياة الجميلة.. عرق وكد وكفاح، ثم فرح من القلب ورقص في الأفراح والليالي الملاح!.

في رمضان تسافر الأمهات من قريتي إلى منوف أو إلى أشمون حيث أشهر تجار القماش كالقارح وبصلة والبرعي وغيرهم، ويعُدْن بالبؤجة الجميلة!

إنها بؤجة البهجة التي تبرز من تلافيفها الألوان، ويتحلق حولها الصبيان، قبل أن تمتد إليها أنامل البنات الحسان! نلمسها في رقة متناهية، نتحسس ملمس الكستور الحرير والكستور المبرد والبفتة، والدمور، وبخدودنا نختبر الستان، قبل أن تنفجر البؤجة فرحاً يغمر المكان!

إلى الأعمام والأخوال، والعمات والخالات الخياطين والخياطات يتوزع الصبيان والبنات، هنا العم علي يوسف، وبالقرب منه الخال عبد الباقي، وبينهما الشاب معروف. وفي الناحية الأخرى من القرية لا يبرح الجد محمد أبو العز دكانه وكأنه قطعة منه.. يصل الليل بالنهار ويترك العراوي لابنه الخلوق مختار.. وعلى مسافة ليست ببعيدة يرتفع صوت ماكينة الخال مصطفى البطرة!

نصعد على الطاولة الناعمة.. نفرد الأكتاف، نفتح صدورنا ونحبس الأنفاس، نرفع الرأس ضماناً لدقة المقاس.. نتخيل على أجسادنا انهمار الألوان فيما ينهمك الحائك في ضبط الطول والأكمام!.

ومن الواضح لي الآن أن الأزرار التي كانوا يستخدمونها في بيجاماتنا وأثوابنا وفساتين شقيقاتنا كانوا يضعون فيها خلاصة حبهم وحنين قلوبهم وصادق دعائهم، ولذلك مازالت ثابتة، حتى وإن تمزقت وبليت البيجامات.. لقد بقيت وستبقى شاهدة على إخلاصهم!

رحت أردد مع فؤاد حداد.. يازماني يازماني.. ياما الودان مش سامعه.. وايدي رايحة وجايه.. وأنا الأصيل في الصنعه.. من غير مااشوف ياعنيه.. لما الجديد يضحك لك.. ولا غرزة راح تتلكك.. ولا فتلة تستعماني.. يا زماني يا زماني!

أرددها وكم أغضبني الخال علي يوسف، الذي أذهب اليه قبل العيد بأسبوع، فيقول لي غداً، وأذهب في الغد فيقول لي غداً! ألجأ الى واحد من أبنائه المهذبين الطيبين، فلا يجرؤ أن يستبدل دوراً بآخر، فالكل عند الوالد سواء.. كلنا عياله، وكلنا يقيناً سنستلم قبل العيد!

من كثرة التردد لاستعجال ملابسنا الجديدة، بتنا نعرف نزعيات المقصات، وشرائط المقاسات التي كانوا يضعونها حول رقابهم.. بتنا نعرف المسطرة.. ونعرف الدبابيس، نعرف (الكشتبان) الذي كان يشبه القمع ويضعونه في أصابعهم، كي يحمي اليد من وخز الإبرة!

ظل الشيخ علي يوسف رشيقاً وممعناً في مهارته وفنه الجميل، وبقي الخال عبد الباقي بوجهه البشوش ومعدنه الأصيل، وكان العم مصطفى البطرة، يسكب من طيبته أمام الصبيان والبنات قطرة قطرة، وكان معروف، يطوف بدراجته كل يوم، على من لا يستطيعون القدوم!

محلاتهم المجاورة أو الملاصقة لبيوتهم، يسكنها الحب والألفة، تنبت بين أصابعهم فرحة واعدة.. لقد فقدوا قوة أبصارهم تدريجياً من كثرة العمل وحتى يفرح الصبيان والبنات، ومع ذلك، لم نسمع أن أحداً منهم صار لديه عمارات أوعقارات!

في كل عيد، وفي كل زفة أو عرس فريد، يجلس كل منهم في محله، يتقبل التحية، حيث يهديه كل مَارٍّ سلامه، فيما يمتلئ هو فرحاً بعد أن أيقن أنه ترك في كل بيت بصمة حب وعلامة!

لقد ظلت البيجامة طوال فترة الستينيات والسبعينيات، عنواناً للإرادة الشعبية بل الوطنية، الإرادة التي زرعت القطن طويل التيلة، والصناعة التي أثبتت أن باليد طوال الوقت مهارة وحيلة.. ولأن ذلك كذلك، فقد انتقلت الصورة.. صورة البيجامة من الشوارع والبيوت المصرية، إلى السينما بل السياسة المصرية، حيث يتفاخر بها عبد الحليم وعمر الشريف وعماد حمدي، و يظهر بها جمال عبد الناصر.

وبعيد ملحمة أكتوبر1973 عمد السادات أثناء تبادل الأسرى على أن يعود كل أسير إسرائيلي ببيجامة قطنية صناعة مصرية «مية في المية»، ثم كان ما كان، وجاءت اتفاقية «الكويز» المعول الأول في ضرب زراعة وصناعة القطن!

كنت أنهي المقال عندما كان محمد قنديل يغني يارايحين الغورية فرددتها معه:

يا رايحين الغورية .. هاتوا لحبيبي هدية..يا رايحين الغورية! هاتوا له توب بالقصب يليق على رسمه..انقش عليه العجب.. واكتب عليه اسمه!