كلما تبتعد عن الوطن، تحاول تعويض البعد جغرافياً بالاقتراب منه وجدانياً، تتابع أدق التفاصيل حول كل ما يجري على أرضه، أما في المواسم الدينية والمناسبات الوطنية فيصبح ارتباطك به شجناً وشغفاً ولوعة لا تبارح عقلك حتى تعود له على أجنحة الشوق والوله.

منذ غادرت مكة وغادرت مواسم الحجيج فيها، بروحانيتها وتدفق ضيوف الرحمن إليها، بتلك الطقوس المكية التي نشأت من الانشغال بالحجيج وخدمتهم، لا أشعر بتلك الروحانية وذلك الزخم إلا من خلال متابعة وصول الحجيج والخدمات المقدمة لهم، ومتابعة تطور وتقدم خدمات الأجهزة المختلفة لاستيعاب الزيادة السنوية في عدد ضيوف بيت الله الحرام، ربما لأضخ في نفسي بعضاً مما فقدته بالابتعاد عن مكة التي تمتد فيها جذوري وأدين لها بكل قيمة جميلة وعادة أصيلة لا زلت حريصة على استمرارها وإطالة عمرها.

هذا العام، وأنا أتابع الحجيج عبر وسائل الإعلام، ومن خلال من كُتب له أن يحظى بالصعود إلى عرفات من الأهل والصديقات، وقلبي يخفق شوقاً، ملأني الفرح بالنجاح الكبير الذي تحقق، فمعايير النجاح كثيرة، لكن المعيار الأهم في موسم الحج هو مقدار اليسر والسهولة التي يعيشها الحجيج خلال التنقل بين مكة ومنى وعرفة والجمرات وبيت الله الحرام حتى ينهي كافة المناسك دون حوادث أو عقبات.

حج ميسور رغم محدودية الزمان والمكان، وهذا لم يأتِ من فراغ بل بالجهود المبذولة عاماً بعد عام حتى تم القضاء على الظواهر السلبية التي كانت تتسبب في إعاقة انسيابية الحركة، كالتدفق الجماعي لحجاج الداخل بدون ترخيص مما يربك الحركة ويسبب كوارث التدافع والسقوط للجموع المتدفقة من حجاج بيت الله خلال رمي الجمرات.

«إن سبب اختفاء كثير من الظواهر السلبية في موسم الحج يرجع إلى سلامة الطريقة والأسلوب الذي تتبعه حكومة المملكة العربية السعودية في تطوير خدمات الحج والعمرة إلى جانب الاستفادة من الأخطاء السابقة ومحاولة تلافيها في العام الذي يليه» كما جاء في تصريح أمير منطقة مكة المكرمة ورئيس لجنة الحج المركزية صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، لوكالة الأنباء السعودية « واس» السبت 9 الحجة 1440هـ، 10 أغسطس 2019م.

كل دول العالم المتقدمة مرت بتجارب كثيرة لتطوير خدماتها وإمكانياتها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه وأصبحنا نستشهد بها عند كل أمر نشعر فيه بتعثر الخدمات أو الأداء الحكومي، بينما يستشهد العالم بنجاح حكومتنا في إدارة الحشود، وتيسير أداء المناسك لأكثر من مليوني حاج، بزيادة 20% مقارنة بالعام الماضي، يمثلون «168» جنسية، «3000» رحلة دولية، و «5600» فندق وشقق فندقية مخصصة لضيوف الرحمن، «350» ألف خيمة، «25» مستشفى، «156» مركزاً صحياً، «30» ألف شخص في المجال الصحي، «25» ألف حافلة، كل هذه الاحصائيات توضح حجم الاستعدادات التي تقوم بها الأجهزة المختلفة لتوفير الراحة والسلامة لضيوف الرحمن.

هو هذا النجاح الذي يوغر صدور الحاقدين والمتربصين بأي خطأ يحدث خلال موسم الحج، حتى لو كان قضاء وقدراً، أو عملاً تخريبياً كما كان يفعل بعض المندسين من أعداء الله الذين لا يرعون حرمة الزمان والمكان، لكن بفضل الله ثم بفضل حزم قيادتنا الرشيدة لمنع استغلال مناسك الحج لرفع الشعارات أو الهتافات أو أي ما يعكر على الحجيج أداء مناسكهم وخشوعهم وسكينتهم، تم الوصول إلى هذا المستوى من الأداء والتنظيم وحشد كل الطاقات والإمكانيات ليتحقق هذا النجاح الذي شهد به الجميع.