نعني بالنص المأمور، النص الخاضع لسلسلة من الإملاءات الثقافية والاجتماعية، والأخلاقية والدينية المسبقة، بحيث ينتفي فيه فعل الحرية الذي هو الحجر الأساس في أية كتابة. لا يمكن تخيل رواية بمستوى إنساني محترم، دون الحرية التي تحكم صيرورة الكتابة. لهذا يعاني النص الروائي العربي اليوم من الكثير من المعضلات الثقافية والاجتماعية التي لا يملك لها حلولاً فينشأ داخل دوامتها وتجاذباتها وتنافرها. مشروط بها وبالقدرة على تخطيها. المطلوب عربياً، في ظل غياب المناخ الديمقراطي، من الكاتب، الروائي تحديداً، أن لا يكتب نصاً يثير حفيظة المسؤول، أو رجل الدين، أو الرئيس، أو القبيلة. أي عليه أن يكتب نصاً مأموراً، لا يشبهه في شيء إلا إذا كان الكاتب منخرطاً في لعبة الاستجابة، أملس ولزج. لا يحكمه أي شيء. نص يعيد إنتاج ما هو سائد ومهيمن ولا يتخطاه أبداً. حتى على الصعيد الأدبي البحت، على الكاتب الروائي أن يشتغل ضمن المعطيات الأدبية التقليدية المستهلكة، وكلما خرج عنها اتهم بالمروق الأدبي، أي بعدم الخضوع للنموذج المستقر. وينشأ السؤال الطبيعي: كيف يمكن أن يتسنى للروائي أن يكون خلاقاً ومبدعاً فعالاً، بالمعنى المحلي والقومي والإنساني؟ كيف يمكن له أن يربي معطيات إنسانية جديدة

قادرة على التغيير. وكيف يستطيع أن يكون في صدارة التحولات المجتمعية، من وظائف الأدب أن ينتقد اليقينيات المستهلكة وينشيء مكانها أسئلة إنسانية جديدة تجعل الأدب في واجهة المتغيرات وليس في ذيلها حيث لا يسود الا الاسترجاع والتكرار. كيف يمكن لنص مأمور أن يستوعب كل تناقضات المجتمع المعقدة التي نتحدث عنها؟ مع أنه، على نظرة الكاتب أن تكون شمولية ترى ما يراه الآخرون وما لا يرونه. نظرة واسعة تستطيع أن تستوعب كل التناقضات والقلق والخوف مما يرتسم في الأفق بشكل غامض. وإلا كيف استطاع بلزاك سليل البورجوازية الفرنسية أن ينتقدها ويبشر بانهيارها لأنها خانت قيمها؟، كيف تمكن سيرفانتس من وضع مجتمع الفروسية محل نقد وسخرية؟، كيف استطاع نص الليالي أن يجسد مجتمع البذخ وسقوط الحكم العربي الذي استولى عليه المماليك أو أتباعهم؟.. الرواية عالم شمولي يفترض نظرة بنفس الاتساع وإلا سيضطر النص إلى ارتداء ما ليس على مقاسه. الأيديولوجية في كل نص، لكن أكبر داء يصيب النصوص المأمورة هو داء الأيديولوجية المملاة، التي تختزل كل شيء بوضعه في خانات مسبقة الصنع، تحرم النص من النظر خارج يقينياتها وأوهامها فتقتله وتنتفي فيه الديمومة المصاحبة للأدب العظيم، بمجرد انتهاء الظرفية الإيديولوجية والسياسية التي خلقته ورسخته.

ماذا بقي من النصوص المأمورة التي تغنت بالاشتراكية على مدار قرن من الزمن، تقريباً، بوصفها النصوص العظيمة التي رسخت أعدل نظام أنتجته البشرية: الاشتراكية، في الوقت الذي فرخت فيه دكتاتورية غير مسبوقة؟، لا شيء.

انطفأت النصوص وغاب كتابها نهائياً من المشهد الثقافي، مع نهاية المرحلة. لم تتعدَّ النصوص كونها امتدادات للخطابات السياسية الوثوقية. في الوقت الذي بقيت فيه الإلياذة والأوديسة، والشهنامة، وألف ليلة وليلة، ودون كيخوتي، آنا كارنينا والحرب والسلام، وفي البحث عن الزمن الضائع، الجريمة والعقاب، مائة عام من العزلة، أولاد حارتنا، وغيرها.. لم تتأثر بالوقت أبداً.

قدر النص العظيم، غير المأمور، أن يستمر في الوجدان الإنساني بشكل مطلق. جوهر الإنسان لم يتغير أبداً. ما يزال يبحث عما يخرج إنسانيته من توحشها الأول. ما يزال عرضة للحروب المبيدة.

يبحث عن الحب في وضع تحكمه الضغائن. لهذا كله يبدو النص المأمور ضعيفاً ومنهكاً وخارج التاريخ، على العكس من النص الحر والمثقل بمسؤولية الكتابة. هناك سمات متقاطعة عربياً خاصة بوضع المرأة، أنظمة الحكم، الديمقراطية، حرية التعبير، المواطنة تجعل من حرية النص الروائي العربي رهاناً حقيقياً وصعباً، في ظل المعاناة واحتمالات السجن وربما الاغتيال. على الكاتب العربي الذي اختار اليتوبيات ليكتب داخلها في ظل غياب النموذج العربي المميز أن يظل متشبثاً بها حتى لا يفقد ثقته في الحياة والإنسان. كل المجموعات الإنسانية لها نماذجها الحالمة

التي تقتدي بها. أوروبا مثلاً، تتصدرها ألمانيا وفرنسا، أمريكا وبريطانيا في العالم الأنجلوساكسوني. الصين واليابان وكوريا وأندونيسيا والهند، في العالم الآسيوي. أمريكا الجنوبية جعلت من البرازيل والأرجنتين أهم نماذجها. حتى الأفارقة التفوا حول نموذج إفريقيا الجنوبية في الخيارات الديمقراطية والحداثية، إلا العرب، لم ينشئوا ولا نموذجاً واحداً يساعد على التنمية والتطور، ويخلق عدوى التحول الإيجابي. النص الروائي العربي يحمل في جوهره جينات هذه الخيبة الفادحة، لهذا كثيراً ما غرق في اليوتوبيا التي تمنحه بعضاً من عالم هو قيد التكون في السرّ.