تصطدم عملية الانتقال الى سلطة مدنية في السودان بعد الاتفاق التاريخي الذي تم التوصل اليه السبت بين العسكريين والحركة الاحتجاجية بالعقبة الاولى مع إرجاء تشكيل المجلس السيادي إلى الثلاثاء. وسيحل المجلس محل المجلس العسكري الانتقالي الذي تولى السلطة في اعقاب الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير الذي أطاحه الجيش إثر تظاهرات حاشدة استمرت خمسة أشهر.

وظهر البشير الذي حكم البلاد 30 عاما أمس الاثنين جالسا في قفص اتهام ماثلا أمام هيئة محكمة بتهم فساد، في مشهد لم يتخيله ثلثا السودانيين البالغ عددهم 40 مليوناً والذين ولدوا خلال عهده. ولا تزال الخطوات الأولى للانتقال لحكم مدني بعد البشير صعبة خصوصا مع وجود خلافات في معسكر الحركة الاحتجاجية تعطل تشكيل المجلس الجديد الحاكم للسودان.

وكان الإعلان عن تشكيلة المجلس مقررا الأحد تزامنا مع توقيع الاتفاق بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير. والاثنين اصدر المجلس العسكري بيانا قال فيه ان حل المجلس وتشكيل مجلس سيادي سيتأجل 48 ساعة اي من الاحد الى الثلاثاء. وقال ان ذلك جاء تلبية لطلب من تحالف قوى الحرية والتغيير بعد تراجعه عن بعض من ورد في قائمة الخمسة اسماء التي قدموها الاحد.

توقع رئيس وزراء جديد

ومن المفترض أن يضم "المجلس السيادي" 11 عضواً، ستة مدنيين وخمسة عسكريين، ويرأسه لمدة 21 شهراً في البداية عسكري، ثم يخلفه مدني للفترة المتبقية من 18 شهراً. وحدّدت خريطة الطريق التي اتفق عليها الجنرالات وقادة الاحتجاج في الاسابيع الماضية الثلاثاء موعدا للإعلان الرسمي عن اسم رئيس الوزراء.

ووافق عبد الله حمدوك، الخبير الاقتصادي السابق في الأمم المتحدة والمقيم في اديس ابابا، على ترشيح الحركة الاحتجاجية لاسمه لتولي المنصب، لكنّه ينتظر الإعلان عن تشكيلة المجلس السيادي كما أنّه لم يصل بعد للبلاد. وجرى حفل التوقيع الرسمي لـ"الإعلان الدستوري" السبت بحضور العديد من الزعماء الأجانب في مؤشر على أن السودان قد يقلب صفحة العزلة التي عاشها خلال عهد البشير. لكن رغم البهجة المحيطة بتوقيع الاتفاق حول المرحلة الانتقالية، يبقى هناك تحفظات في أوساط الحركة الاحتجاجية، خصوصاً حول حضور نائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دقلو المعروف باسم حميدتي محمد، الذي شارك بتوقيع الاتفاق.

ويقود دقلو "قوات الدعم السريع" المتهمة بتنفيذ العملية الدامية لفض الاعتصام أمام مقر قيادة القوات المسلّحة في الخرطوم في 3 حزيران/يونيو. ويخشى كثر من أن يقوم باحتكار السلطة لاحقاً ويقضي على التحول الديموقراطي في البلاد. وتندد النساء، اللواتي كن حاضرات بقوة في الاحتجاجات، كذلك بالتمثيل الضعيف للمرأة في المؤسسات الانتقالية. - قفص الاتهام -خرجت كل الصحف السودانية الصادرة الثلاثاء بعناوين مرتبطة بظهور البشير في قفص الاتهام الاثنين.

ونشرت بعضها صورة البشير في قفص الاتهام، وهي الصورة التي باتت رمزا لانهيار نظامه العسكري الإسلامي. وخلال جلسة المحاكمة التي استمرت ثلاث ساعات، أبلغ محقق المحكمة أنّ البشير أقر بتلقي 90 مليون دولار من السعودية خلال السنوات الأخيرة.

وأواخر نيسان/ابريل الفائت، أعلن رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان العثور على ما قيمته 113 مليون دولار من الأوراق النقدية بثلاث عملات مختلفة في مقرّ إقامة البشير في الخرطوم. وقال العميد شرطة أحمد علي، المشرف على التحري في قضية البشير، للمحكمة عند بدء جلسات المحاكمة إن "المتهم (البشير) أبلغنا أن الأموال جزء من مبلغ تلقاه نقدا من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. وتابع نقلا عن البشير "هذه الأموال ليست جزءا من موازنة الدولة وكنت أنا من يقرر أوجه أنفاقها".

ومن المقرر أن تستأنف محاكمة البشير في 24 آب/اغسطس. في شوارع الخرطوم لم يخف السكان ارتياحهم لمحاكمة البشير. وقالت فاطمة عبدالله حسين طالبة الطب التي شاركت في الاحتجاجات في وقت سابق من العام "البشير قام بالكثير من الأمور التي أضرت بنا خلال الأعوام الثلاثين الماضية". وأضافت "لقد خرجنا إلى الشوارع وواجهنا الغاز المسيل للدموع والمضايقات بسبب الجوع ونقص التعليم وما فعله في دارفور وغيرها من القضايا". أما الحاج آدم فقال ان محاكمة البشير يجب أن لا تحوّل الاهتمام عن ضرورة وجود إدارة جديدة للمصادقة على ميثاق روما الذي يسمح بنقل الرئيس السابق إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ليواجه تهما تتعلق بالحرب التي اندلعت عام 2003 في اقليم دارفور. وقال آدم "يجب تقديم الأدلة على ارتكابه جرائم إبادة. لقد قُتل العديد من المدنيين داخل السودان وخارجه بسببه، ويجب أن يُحاكم".