هل ما يجري الآن على مسرح منطقة الشرق الأوسط، في ليبيا، وسوريا، واليمن، والسودان، ومنطقة الخليج، هو بعض تجليات، وتداعيات، ما يسمى بالربيع العربي؟.. أم أنه كان سيحدث حتماً بالربيع أو بغيره ولكن في سياقات أخرى مغايرة؟!

الإجابة ليست سهلة، كما قد يظن البعض، اذ يتعين على من يتوخاها، أن يبرهن أولاً على أن ما جرى كان ربيعاً بحق، وهذا أمر بات موضع شكوك قوية، بعدما أتاحت تسع سنوات مضت كشف بعض الخفايا، وفضح مشاهد استحضار الربيع، أو تحضيره داخل مطابخ دولية، استثمر من يديرونها عشرات الذرائع التي أنتجتها خطايا عربية تراكم بعضها على مدى أكثر من نصف قرن.

كذلك، فإن أي محاولة للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أن تتعامل مع إشكالية أخرى أكبر حجماً، وأعمق تأثيراً، هي: هل حوادث ما يسمى بالربيع العربي هي جزء من عملية إعادة هيكلة النظام الدولي برمته، وسط مخاض راح يتمدد ببطء على المسرح الآسيوي في الشرق الأقصى، فيما كانت تطلعات روسيا الى استعادة التأثير في الفضاء السوفييتي القديم، تخرج من أدراج سيد الكرملين الى غرفة الخرائط فتضم شبه جزيرة القرم، وتدعم بالقوة تارة وبالنفوذ تارة أخرى، تيارات في شرق أوكرانيا يعاودها الحنين الى العصر السوفييتي؟!.

لقد ظل تفكيك الاتحاد الأوروبي، وزعزعة الناتو، حلماً يراود روسيا على مدى عقود مضت، غير أن التزاماً أمريكياً بتمدد الناتو في الفضاء السوفييتي، وتشديد قبضته فوق خارطته، كان يضع الحلم الروسي في خانة الأوهام، لكن دعم ترامب لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، يجعل الحلم الروسي بتفكيك الاتحاد الأوروبي ممكناً، كذلك فإن نهج ترامب في استفزاز العنجهية التركية لدى أردوغان بشأن صفقة الصواريخ الروسية اس ٤٠٠، ثم بحرمان أنقرة من الحصول على مقاتلات الجيل الخامس المتطورة اف ٣٥، قد ساهم في تقويض علاقة تركيا بالناتو، وهي صاحبة ثاني أضخم قوة عسكرية بالحلف بعد الولايات المتحدة.

أوروبا، لم تعد هي أوروبا التي عرفناها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والناتو لن يظل هو الناتو كما عرفناه منذ أكثر من ستين عاماً، فثمة مدخلات جديدة على معادلات القوة في النظام الدولي، تحتم إعادة هيكلة النظام الدولي برمته، بدور أكبر للشرق الأقصى في القرار الدولي، تنال فيه الصين نصيب الأسد، وبعودة قوية لروسيا الى منطقة الشرق الأوسط، تستقطع جانباً هاماً من مقومات النفوذ الأمريكي في الإقليم، وسط ميل أمريكي لتقليص حضور واشنطن في المنطقة، أو لربط هذا الحضور بصفقات حماية، بدت باهظة الكلفة على من اعتادوا الحصول عليها في الماضي دون تكاليف باهظة.

اضطراب موازين الأمن في منطقة تستأثر بأربعين في المائة من مخزون الطاقة العالمي وبأهم ممرات تصدير تلك الطاقة، لا يدع أدنى فرصة لدى القوى الكبرى لممارسة ترف اللامبالاة، أو المبالاة المشروطة بالدفع مقدماً، فمن لا يبالي بما يجري في الإقليم، سوف تكون خسائره باتساع الكوكب كله.

هذا الفهم لدى القوى الطامحة في قيادة النظام الدولي، هو ما استدعى أساطيل صينية وروسية وبريطانية، الى الحضور في مياه الخليج ولو بالرمز، ، الى جانب قوة أمريكية قدرتها واشنطن بحوالي سبعين ألف جندي.

الارتباط الوثيق بين ما يجري في المنطقة منذ تسع سنوات، وبين ما يجري في أوروبا، وداخل التحالف الأطلسي، قد يعني أن الاستقرار الذي تتطلع شعوب المنطقة الى استعادته، سوف يتأخر، لبضع سنوات أخر، فالمشهد في أوروبا متخم بالتحولات التي ترتبط عندهم بمواعيد انتخابات، وباستحقاقات تغيير مجدولة، وبخضوع مطلق لخيارات رأي عام، لم ينجُ أغلبه من تأثيرات موجة شعبوية عاتية استقوت بسياسات ترامب عبر الأطلسي، ونالت مدداً إضافياً بحضور بوريس جونسون في مقر رئاسة الحكومة البريطانية.

منطقة (الربيع العربي)، مسرح تدور فوق خشبته صراعات إعادة هيكلة النظام الدولي، بل إن هذا الربيع المزعوم، هو ذاته، ليس سوى إحدى آليات إعادة الهيكلة المشار اليها، وهو ما يعني، أن ما جرى للمنطقة، وما يجري فيها، كان سيحدث بالربيع أو بغيره، مع بعض الاختلاف الضروري في السيناريوهات الإقليمية، والمشاهد المصاحبة للتحولات الدولية الكبرى.

علامات الاستفهام الكبرى ، بشأن خرائط الأدوار في الإقليم، سوف تنتظر لسنوات مقبلة، فلا إجابات على أسئلة الإقليم، قبل بلورة هياكل نظام دولي جديد، تقتاده قوى الشعبوية الجديدة قسراً، الى حقب الماضي البعيد، حين كان الاستعمار مشروعاً، وشراء السيادة على أراضي بعض الأوطان ممكناً.