ناقش منتدى جدة للدراسات النقدية مؤخرا على مسرح جمعية الثقافة والفنون بجدة ورقة الدكتور صالح الزيَّاد بعنوان « سؤال القيمة في الظاهرة الأدبية « وأدارها الدكتور سعيد السريحي، ابتدأ اللقاء بكلمة من الدكتور السريحي بمناسبة افتتاح الدورة النقدية الثانية ثم تناول الدكتور الزيَّاد تعقيبات أعضاء المنتدى والتي كانت حسب ترتيبها الدكتور أحمد صبرة والدكتور عبدالعزيز الطلحي والدكتور سعد الغامدي والدكتورة صلوح السريحي والأستاذ شعلان الشمري والأستاذ مساعد الجهني والدكتور أحمد سليم غانم والدكتورة خديجة الصبان .وفي نهاية مناقشة الورقة النقدية تم تكريم الدكتور الزيَّاد والدكتور السريحي.
  • الصبّان : الورقة خلت من تمايز القيمة وتفاضلها بين الأشكال الأدبية
  • الدكتورة خديجة الصبان عقبت على ورقة صالح زيّاد على هيئة وقفات عند بعض المسائل التي تناولتْها:
  • «القيمة في الظاهرة الأدبية، لا تستسلم للتحديد والضبط، وتستعصي على الثبات والقياس.
  • ما يعنينا في هذه الورقة، هو البحث في تمايز القيمة وتفاضلها بين الأعمال والأشكال الأدبية».
  • لا نجد في الورقة بحثًا في تمايز القيمة وتفاضلها بين الأعمال والأشكال الأدبية، بل بيانُ أنَّ المستخلص من المؤلفات التي تناولت الأدب في تراثنا النقدي ــ وهي الكتب البلاغية، والرسائل والوصايا التي كتبها معلمو البلاغة، والمُفاضلات المرويَّة... ــ هو بناءٌ وتحديدٌ لقيمة الشعر.
  • أنَّ قَصْرَ جودة الشعر على سيرورته في الناس، يعني أنَّ صاحب الحُكم (مُطلِقُ أو مطلقو العبارة) يذهب إلى أنَّ غاية الشعرْ إحداث المتعة، في ذلك دليل على تمكُّنه، وذلك التمكُّن هو دليل القيمة.
  • إن جماهيرية عمل أو مؤلف ما، لا تصلح على إطلاقها دليلاً على القيمة الأدبية المعنيَّة بهذه النسبة؛ فالقصص والأشعار البورنوجرافية، وقصص الجريمة، وهاري بوتر، وقصص النهايات السعيدة، وما إلى ذلك، أكثر جمهورا على مستوى العالم..
  • ذهاب الورقة إلى أنَّ تعليق مقولة المعري الحكمَ بجودة الشعر بسيرورته في الناس: «فيه تصور للجمهور يحصره في نطاق سلبي وانفعالي من فعل التلقي»، غيرُ مُسَلَّم به.
  • إنْ كان الموضوع مُستحِقًّا للتقدير بذاته كالحق، والخير، والجمال، كانت قيمته مطلَقة.
  • قسمة «جائرة»
الشدوي : الأحكام العرضية عادة لا تنتمي إلى النقد الأدبي

«تلك إذاً قسمة ضيزى» هذا تعقيب الكاتب والناقد علي الشدوي على ورقة صالح زيّاد فيقول: تعني قسمة (ضيزى) عوجاء، وغير معتدلة، وجائرة، وناقصة، وغير تامة. وهي فيما نرى قسمة تنطبق على حكم القيمة الذي أصدرته الثقافة العربية القديمة على حكايات ألف ليلة وليلة مقارنة مع حكمها على حكايات كليلة ودمنة. سنتوقف عند حكم القيمة الأشهر في أحكام القيمة هذه هو حكم ابن النديم على حكايات ألف ليلة وليلة. يقول في كتابه «كتاب هزار إفسان يحتوي على ألف ليلة، وعلى دون المئتي سمر؛ لأن السمر ربما حُدّث به في عدة ليال. وقدر رأيته بتمامه دفعات، وهو بالحقيقة كتاب غث بارد الحديث. ونحن نعرف الآن أن الوصف» غث، بارد الحديث» وُصف به أكثر من نوع أدبي في الثقافة العربية القديمة، تكمن خطورة هذا الوصف لحكايات ألف ليلة ولية في اعتباره حكما عرضيا يبين قيمة كتاب الليالي، والأحكام العرضية عادة لا تنتمي إلى النقد الأدبي.

السريحي : القصائد كالنساء، منهن ما هو متفق عليه ومنهن الضعيف الشاذ

فيما عقب سعيد السريحي على ورقة صالح زيّاد قائلا : ​ليس بدعا أن يعيدني سؤال القيمة الذي طرحته ورقة صالح زياد إلى الكثير من النصوص التي استدرجتني للوقوع في حبائلها، سواء كنت على وعي بمكامن الفتنة فيها أو أنها أخذتني على حين حين غرة فلا أكاد أستبين بأي لحظ رمقتني ولا أي كلمة همست في أذني، والقصائد كالنساء، منهن ما هو متفق عليه ومنهن الضعيف الشاذ.

الغامدي : الإغماض يجعلني أتوجس خيفة من كتابات النقاد

عقب سعد الغامدي على الورقة بخمسة وعشرين نقطة قائلا: عادة أتوجس خيفة من كتابات النقاد أو بعضهم على الأقل؛ وذلك لما لازمني من شعور بأنهم يعمدون إلى تقنيات منها: الاغماض، واضمار القارئ المتخصص في النقد الذي يفهمهم ويفهمونه والكتابة له دون غيره من القراء المثقفين من مستويات تخصصية أخرى ناهيك عن القرّاء غير المتخصصين فيما له صلة باللغة وآدابها، إضافة إلى الإحالة إلى شخصيات وأفكار ونظريات – غالبا من الغرب - لا تكون معروفة إلا عند المتخصصين.

أبرز وقفات الغامدي .. في نقاط
  • مما يتصل بما قدمت، لا أكتم أحدا أنّ التعقيب على هذه الورقة من الصعوبة بمكان بالنسبة لي لاهتمامها بمصطلحات غريبة على غير المتخصص في مثل هذه الموضوعات، ويحتاج المعقب أو القارئ إلى أن يراجع مفاهيم هذه المصطلحات، كما أن بعض العبارات لا تفهم في سياق الورقة وتحتاج إلى استمداد من ثقافة أوسع تلتقي مع ثقافة الكاتب بشكل ما، فمن ذلك: (والجمال- فيما قال كانت- «غائي بلا غاية)، المنظور الفينومينولوجي والواقعي الجديد، القصص والأشعار البورنوجرافية، العوالم الممكنة، التشارك النصي، القارئ النموذجي، القارئ الضمني، الفراغ الباني الذي يسكن النص في مواضع البياضات والفراغات وعدم التحديد والاحتمال وعدم التناسق. إلخ..
  • في البدء كانت هواجس حول العنوان، ذلك أني أجدُ كلمة سؤال في عنوان الورقة قلقة إلى حدّ ما، وكأني بالعنوان لا يحتاج إليها، وقلق آخر من عبارة (القيمة في الظاهرة الأدبية) لأنها تُغيّب قيمة الظاهرة الأدبية، فالقيمة في الظاهرة غير قيمة الظاهرة؛ لأنّ الأُولَى تُقِرُّ وجود الظاهرة الأدبية ومن ثَمَّ تتجه إلى البحث في القيمة فيها، التي قد تكون أو لا تكون – أعني القيمة لا الظاهرة-، أو تكون في بعضٍ دون بعض، أمّا الثانية فهي تفترض عدم الظاهرة الأدبية أصلا؛ وتتساءل عن قيمة وجودها في مجتمع ما - لو وجدت - علما أنّ الورقة كانت تتجه إلى القيمة في الظاهرة إلا عندما تقول: «وتُلحُّ الظاهرة الأدبية علينا من حيث هي «قيمة».
  • وعلى الرغم من ظنّي أن كلمةَ سؤال قلقةٌ في العنوان إلى أن الورقة حاصرت قراءتي بسيل من الأسئلة عند كل جملة تحمل فكرة، وهي أسئلة أحسها في أحيان معقولة وغير معقولة بل ساذجة أحيانًا أخرى.
  • بما أنّ القيمة في الظاهرة الأدبية، لا تستسلم للتحديد والضبط، وتستعصي على الثبات والقياس فإن هذا يعني أنّ دراستها لن تكون علمية، ولا يمكن مقاربتها بالمناهج العلمية. ولكنّي لم أستطع أنْ أُسَلِّمَ بأنّ إخضاع ظاهرة ما أو قيمتها أو قيمةٍ فيها لعيار محدَّد - لو أمكن - سيقضي على المعنى الإبداعي.
  • وجدتني لا أُسلِّمُ ولا أعقل أنّ الصفة الأدبية التي هي المعنى الإبداعي لا تكون إلا خارج المعتاد والمألوف، ناهيك أن تكون ضدّ التقليد والشيوع، بل أكاد أعتقد بحذر أننا خدعنا بهذا كثيرا.
  • لم يستقم لديّ بشكل تامّ أنّ «كل جنس أو غرض أدبي، يحتل رتبته وحضوره وأهميته، وتنتظم مقاييس جودته، في ضوء مقتضيات الثقافة المهيمنة، والوضع الاجتماعي التاريخي، أو الرؤية المذهبية للمدرسة الأدبية» – كما جاء في الورقة – لأنّ المبدعين البارعين لغةً ذوي المخزون العميق من اللغة والخبرة المعقدة الواسعة بها هم من ينتج الأجناس الأدبية وينمونها، عندما تذهب الورقة إلى أنّ كلَّ منظومةٍ نظريةٍ من النظريات النقدية - على اختلافها، في القديم والحديث - تعيد تصوَّر الأدب وتصنع قيمته، من وجهتها فإن هذا يستثير عندي عدة أسئلة، منها: من الذي يضعُ النظرية وما دوافعه وما هدفه؟ وما الحاجة إلى النظريات النقدية أساسًا؟ وما مدى حاجة الظاهرة الأدبية إليها؟ وأنّى للنظريات إعادة تصور الأدب وصناعة قيمته؟ وهل النظريات تفعل ذلك ابتداء؛ فلا يكون تصورا للأدب ولا قيمة فيه أو له إلا بالنظريات.
  • أنا في ريب من أثرٍ وتأثيرٍ من أيّ سلطة غير المبدع الذي هو كائن لغوي يبدع المتجاوز من النصوص الأدبية المتصلة بحبل سرّي بالمجتمع لغة ومتلقين وانساقا ثقافية.
  • إذا كانت القيمة للظاهرة الأدبية في امتياز لغة الأدب عن اللغة العملية، وتمايز الأدباء المنشئين ومؤلفاتهم فيما تجده من إقبال الجمهور كثرةً ونوعاً وطريقة في التلقي، وما يرقى إليه بعضها من امتداد في الزمان والمكان.
  • ذهبت الورقة إلى أنه «من دون أنْ يتصف الشيء بقيمة، تبطل دواعي الالتفات إليه والاشتغال به، ونفقد الرغبة فيه» وإنه وإن كان هذا قد يكون سليما إلى حدّ ما إلا أنّنا نرى واقعًا فيه أنّ الناس تُقبل على النصوص بصفة عامة، وهو إقبال من إقبالهم على اللغة بغض النظر عن كونها تنتمي أو لا تنتمي للظاهرة الأدبية.
  • كون الأدب للتنفع به لا الاستمتاع به لا يمنع أن يكون أدبًا ذا قيمة جمالية في كثير من الأحيان كما هو ظاهر في شعر شعراء من أمثال جرير والفرزدق والمتنبي وغيرهم، ولا يؤدّي إلى تقييد القيمة الجمالية في ظنّي كونه نفعيّا بأيّ شكل من أشكال التنفع.
  • لم تكن الدراسة اللغوية - قديما وحتى حديثًا - للأدب محصورةً في جعله موضوعا لدراسة القواعد اللغوية والأدبيةً فحسب، ولم تقتصر على نصوص عصور الاستشهاد وحدها بل كانت دراسة مستكشفة لجماليات النصوص واللغة
  • مشكلات مقولة «أجود الشعر ما سار في الناس» كونها أطلقت كلمة الناس في حين أن متلقي الشعر والحاكمين عليه بالجودة فئة محصورة محدودة ممن يعنون بنصوص الأدب.
  • إحالة الاستجادة من الذاتي والانطباعي والمتغير إلى الموضوعي وفق ما تطرحه جمالية التلقي يعني في نظري أن جمالية التلقي لربما فاتها الإحالة إلى اللغوي؛ لأنه هو الذي حاول نقاد الشعر تجليته كما يظهر لي.