للمكان أثره على المبدع، وهو ما ينعكس على نتاجه؛ فيأتي في صورة قصائد تحمل معاني التعلق والحنين، أو تصور مفاتن الطبيعة، أو تجسد وفاء الإنسان. وربما يأتي هذا الانعكاس في صورة رواية، أو مقالة، أو رسائل ومخاطبات باعثُها الحقيقيُّ الأماكنُ التي نزل فيها المبدع ذات زمن. مع هذا فليس شرطًا أن تحمل نتاجات المبدع تصورًا حسنًا للمكان، وصورًا تفيض بألوان الوفاء ومعاني الوَجْد؛ إذ ربما يعمد المبدع لتصوير المكان من الزاوية التي لم تَرُق له، أو الزاوية التي أحدثت في نفسه ندوبًا وآثارًا غير جيدة وفق ذائقته. أمر آخر جدير بالملاحظة وهو لون الإبداع المتولد نتيجة تأثير المكان على المبدع؛ فهذا الإبداع تجده في مكان ما يطغى عليه السرد، فلا تكاد تجد من الإبداع المتولد بفعل هذا المكان إلا (روايات وما في حكمها)، وأحيانًا لا تكاد تجد للسرد في مكان آخر أثرًا، فليس ثمة من الإبداع المتولد بفعل ذاك المكان إلا (الشعر). دعونا نأخذ نموذجَين لمكانَين تفصل بينهما مسافة لا تتجاوز (١٨٠) كم، ويقعان على خط جغرافي واحد وبيئة واحدة في القطاع (التهامي الجبلي) جنوب غربي المملكة، وهما محافظة (العُرْضِيَّات) بمنطقة مكة المكرمة، ومركز (قَنَا) بمنطقة عسير. لم أعثر -على حد اطلاعي- على قصائد قيلت في العُرضيات لشعراء (وفدوا) إليها وخاصة في أواخر القرن الهجري المنصرم وفواتح القرن الهجري الحالي سوى قصيدة قيلت قريبًا بعد أن رحل قائلها عن العُرضيات قبل عقود وقالها (أخيرًا) لظرف آني، غير أننا نجد أن السرد كانت له بصمته القوية الظاهرة في العُرضيات أواخر القرن الهجري المنصرم؛ فلا تكاد تُذكر الرواية إلا وتُذكر روايتان من أشهر الروايات العربية، وهما رواية (براري الحُمَّى) للروائي (الأردني الفلسطيني) إبراهيم نصر الله، ورواية (الطريق إلى بلحارث) لمواطنه جمال ناجي، والروايتان كلتاهما كُتبت فصولهما من وحي العُرضيات أواخر القرن الهجري المنصرم، وأرَّختا -في جوانب منها- للحياة الاجتماعية التي كانت سائدة في العرضيات، ومع هذا يؤخذ على الروايتَين تركيزهما المبالَغ فيه على الجوانب السلبية في الحياة الاجتماعية في العُرضيات آنذاك، وعدم تعريجهما على خلافها من الجوانب الإيجابية، بل لا تكاد تجد لمَواطن الجَمال الطبيعي ممثلاً في أشهر واديَين (قنونا- يبة) وغيرهما من مواطن الجمال الطبيعي والفطرة الإنسانية النبيلة في العُرضيات ذِكرًا في الروايتَين، ولهذا طالهما شيءٌ من النقد اللاذع، ليس فقط لأنهما صوَّرتا الواقع كما هو؛ وإنما لاختزالهما الواقع في جانب منه. في المقابل نجد أن الشعر بنى له عرشًا مكينًا في قَنَا عسير، فلا تكاد تقرأ عنها إلا شعرًا، وربما لا تجد روايةً كُتبت من وحي قنا. هذا الحراك الشعري المكثف عن قَنا لفت انتباه أديبها الدكتور عبدالرحمن المحسني وحظي باهتمامه، ما جعله يتتبع ذلك الحراك، فأصدر كتابَه (قَنا عسير.. دراسة في حركة الفكر والأدب)، تتبع فيه الحركة العلمية والفكرية في قَنا، ودوَّن فيه كثيرًا من القصائد التي قيلت فيها، وخاصة في فواتح القرن الهجري الحالي، وقد خرج بكمٍّ وافر لشعراء نزلوا -حينَها- قَنا وجسَّدوا مشاعرهم عن إنسانها وطبيعتها في قصائد ستظل خالدة في جبينها، ومن أولئك الشعراء الذين أوردهم المحسني في كتابه (علي النعمي، محسن السهيمي، حسين يعقوب، محمد فائع الألمعي، حسين أبو دوسة).

لعلنا نصل إلى التساؤل الوجيه عن سر كثافة السرد عن مكان ما، مقابل كثافة الشعر عن مكان آخر -بغض النظر عن مضمون الإبداع السردي أو الشعري مدحًا كان أو خلافه- أهو عائد لاهتمام المبدع وطبعه؟ أم لطبيعة المكان وأهله؟ أم للفترة الزمنية؟ أم لبيئة المبدع التي قَدِم منها؟ أم غير ذلك؟، ولعل في نموذجَي (العُرْضِيَّات- قَنَا) والتباين في الكتابة عنهما -بين السرد والشعر- ما يشي بوجاهة التساؤل.