هادئًا كان في عالمٍ مشحون بالصراخ..

صامتًا في مملكة الضجيج..

كان حزينًا أيضًا..

تساءلتُ عن سبب وجوده هناك.. قابعًا- مثل تمثال في حديقة منسية- على المقعد المجاور لي.

لم أحتملْ.. دبيبُ الفضول دفعني لسؤاله:

- لم كل هذا الصمت؟ ولم كل هذا الحزن؟

شعرتُ أني تسرّعت، حين اقتحمتُ عالمه الصامت، وتطفّلت على خصوصيته، لكنه رمقني بنظرة خالية من أي تعبير.. ثم حكى لي:

- «أنا بريطاني.. لكني -كما يمكن أن تلاحظ- من أصول هندية، انتقلت مع عائلتي صغيرًا لبريطانيا، بحثًا عن حياة كريمة، وأحلام يمكن أن تتحقق، لكن الطريق كانت أصعب مما تصور عقلي الصغير، وأطول من طموحات والديّ. رحلا، وكنت مضطرًا للبقاء على الطريق.. وحيدًا. كانت وعرةً وقاسية كما يمكن لك أن تتخيل؛ مراهقٌ آسيوي يشق طريقه حافيًا في بريطانيا العظمى.

وفي منتصف مشوار النضال، نضال البقاء أقصد، تعثّرتُ بها.. على مقعدٍ من مقاعد «حديقة فيكتوريا» في مدينة ليستر البريطانية.. تعرفها.. أعني الحديقة.. أليس كذلك!!»

- نعم أعرفها جيدًا.

- «كانت بيضاء، بعينين عسليتين، وشعر مموّج»، (كان يشير بيده كمن يحاكي معزوفةً لبيتهوفن). «عيبها الوحيد أنها تحب ليستر كثيرًا.. لذلك تزوجتُها.. افتتحنا متجرًا صغيرًا لبيع الكحول، والمجلات، وبعض الهدايا الصغيرة... كانت متعصبة لكل ما هو متعلق بـ»ليستر».. بدوْري.. كنتُ متعصبًا لكل ما هو متعلق بها!!

من هنا كانت تحرص دائمًا على شراء تذكرة موسمية لحضور مباريات كرة القدم لفريق ليستر، وتأخذني معها. أنا لم أكن مهتمًا بكرة القدم يومًا، ورغم ذلك لم أفوّت يومًا رِفقتها.

كنا في ملعب «كنقز بور»، نحضر مباراة في الدوري الإنجليزي بين فريقي ليستر وتشيلسي. وكانت الأجواء حماسية جنونية، ففريق ليستر كان بطل الدوري العام الماضي، وخمرة البطولة لا تزال تلعب لعبتها في رؤوس عشاقه. لكن ذلك كله لم يعد يعنيني.. كما لم يعنِ جاري الهندي/البريطاني؛ سجل تشيلسي هدفًا، وتأخر فريقه «ليستر».. لم يكترث... أكملَ قصتَه معها..

حكى لي عن ذكرياتهما التي تتغصن في عروقه يومًا بعد يوم، وحكى لي عن حنينه، وعن جُبنه الذي يمنعه من اللحاق بها..

- «في صباح سبتٍ صقيعي، سبقتْني للمحل، كي تنجز عملاً قبل أن نأخذ الحافلة التي تقلنا لـ»كنقز بوَر» (ملعب ليستر) لاحقًا عند الظهيرة..

هل رمقتني بنظرةٍ قبل أن تغادر؟

هل هرّبتْ مع نظرتِها ابتسامةَ حنان؟ أو قُبلة وداع؟

لست متأكدًا.. كانت تلك آخرَ مرةٍ أراها..»

نظر إلى مقعدي.. وأكمل:

- «كان هذا مقعدها دائمًا.

هذا.. الذي تجلس عليه أنتَ الآن..!!»

ثم عاد لصمته..

مثل تمثالٍ حزين.. في حديقة منسية..!!