بدون توظيف مثالي للقوة، لن تظفر الولايات المتحدة بتنازل أي من إيران أو كوريا الشمالية عن طموحاتها النووية، ولن تستطيع واشنطن في غياب هذا التوظيف المثالي للقوة، بسط معادلة جديدة للأمن لا في منطقة الخليج ولا في الشرق الأوسط على اتساعه. ولكن، ما هو التوظيف المثالي للقوة؟ ومتى يمكن أن يصبح مؤثراً في نتائج أي صراع؟، وما هي العوامل التي قد تؤدي الى إخفاقه. هذا في الغالب، هو محور الاختلاف بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبين أربعة مستشارين للأمن القومي تعاقبوا على هذا المنصب خلال واحد وثلاثين شهراً أمضاها ترامب في البيت الأبيض منذ أدى اليمين الدستورية، أولهم كان مايكل فلين الذي أمضى في منصبه ٢٤ يوماً قبل أن يغادره، أما الثاني كيث كيلوج فأمضى أسبوعاً واحداً في نفس المنصب، بينما شغل هربرت ماكماستر هذا المنصب لمدة ٤٩ يوماً، أما جون بولتون فقد أمضى في هذا المنصب ٥١٥ يوماً مسجلاً رقماً قياسياً بين مستشاري الأمن القومي للرئيس الأمريكي ترامب.

يقترب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من إتمام عامه الثالث في البيت الأبيض، لكن عقيدته بشأن التلويح بالقوة أو استخدامها، مازالت تثير الحيرة لدى بعض أقرب حلفائه في الخارج، والارتباك لدى بعض أوثق شركائه في الداخل، فهو يعتقد أن مجرد تلويح الولايات المتحدة باستخدام القوة، أكثر من كافٍ لإنجاز أهداف استراتيجية، فيما لا يرى أغلب مساعديه ذلك.

معادلة ترامب القادم من حقول البيزنس، هي أن أي شيء يمكن شراؤه، وأي شيء يمكن بيعه أيضاً، فهو رجل صفقات أكثر من كونه رجل إستراتيجيات، وان كانت صفقاته، وأسلوبه الخاص في إنجازها، سوف تؤثر بالضرورة على إستراتيجيات الولايات المتحدة لعقود مقبلة، وربما على النظام الدولي برمته.

اختيار جون بولتون مستشاراً للأمن القومي الأمريكي قبل سبعة عشر شهراً، ربما كان هو ذاته ضمن إستراتيجية ترامب للتلويح باستخدام القوة في وجه أعداء أمريكا في الخارج، لكن بولتون لم يكن، مقتنعاً بأنه هو ذاته مجرد عصا يهش بها ترامب في وجه أعدائه، أو خيال مآته يمنع طيور السياسة من الوقوف في حقول المصالح الأمريكية، فالرجل ذو الشارب الكث والقسمات الجادة بقسوة، كان يؤمن بالاستخدام المباشر للقوة، وليس بمجرد التلويح الخاطف بها. كان بولتون، وما يزال يريد حرباً ضد إيران، وأخرى ضد كوريا الشمالية، بينما كان ترامب وما يزال يريد حواراً مع إيران يبدأ من نقطة الصفر، ويشمل كل القضايا، تماماً كما يبدو مقتنعاً بالحوار مع كوريا الشمالية كسبيل وحيد لتسوية خلافات تاريخية معها توجت ببرنامجها النووي الجسور.

أحدث نقاط الخلاف بين بولتون وترامب جسدها اختلافه مع الرئيس الأمريكي بشأن دعوة جماعة طالبان الأفغانية الى المنتجع الرئاسي في كامب ديفيد لإجراء مفاوضات غير مشروطة، يتطلع ترامب الى أن تنتهي باتفاق يتيح سحب القوات الأمريكية من أفغانستان، وتقليص النفقات العسكرية الأمريكية هناك.

لسان حال بولتون الغاضب كان يقول لترامب: تريد أن تتفاوض مع طالبان؟! وأين؟!..هنا في كامب ديفيد؟! ومتى؟!.. في توقيت متزامن مع ذكرى هجمات ١١سبتمبر...! أما ترامب فكان رده: «من حقك أن تعترض كما تشاء، لكنني أنا الرئيس ولست أنت وأنا من يتخذ القرار... بولتون، لقد قررت إقالتك من منصبك».

منهج ترامب في التعامل مع القضايا الدولية الكبرى، يرتهن بدرجة كبيرة لحسابات تكاليف مالية، وأرباح مالية، بالمعنى المباشر للتكاليف وللأرباح، الرجل واضح منذ البداية، والذين صوتوا من أجل انتخابه رئيساً، كانوا يعرفون سلفاً أن الرجل قادم من حقول البيزنس، من خارج المؤسسة التقليدية الأمريكية التي قدمت للبيت الأبيض غالبية نزلائه. الحكم على نجاعة وفاعلية منهج ترامب، لا يرتهن برضا الحلفاء والأصدقاء في الخارج، وانما بما يحققه ترامب للاقتصاد الأمريكي من نجاحات، أو من إخفاقات، تعزز قناعاته بسلامة منهجه، بل وتتيح تقديمه للناخبين الأمريكيين في الانتخابات الرئاسية في العام المقبل، باعتباره الرجل الذي قال فصدق، ووعد فأوفى. باستقراء منهج ترامب، وأزمة إقالة بولتون، أجازف مرة أخرى، بالمراهنة على لقاء قمة أمريكية إيرانية في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكنني لا أتوقع اختراقاً في هذا اللقاء يتجاوز حدود الاتفاق على الترتيب لمفاوضات أمريكية- إيرانية تشمل كافة الملفات. ترقبوا المشهد، خلال الأسبوعين المقبلين، أمريكا تتطلع الى الانفراد بمعالجة تفاوضية للملف النووي الايراني، تحد بموجبها من أي دور لأوروبا وروسيا والصين في هذا الملف. إيران تعرف ذلك، وتراهن هي أيضاً على اللعب بورقته. أما العنوان القصير للمشهد الراهن فربما يكون (غاب بولتون وحضر روحاني)!.