سُبحان من تفرّد بالكمال والخُلود وقضى بالموت على كل مَخلوق.. ما من بشرٍ إلا وقد تجرّع مرارة فِراق أحدٍ من الأهل أو الأصدقاء أو المعارف، فالموت قَرينُ الحياةِ {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}.

إنّ لفِراق أحد الوالدين ألماً خاصاً حيث يُغلق بابٌ عظيمٌ من أبوابِ الخير والبِر الذي كانت تمر من خلاله خيرات كثيرة، ليس أقلّها دعوة «الله يرضى عليك». ومع تفضّل المولى عزّ وجلّ برحمته أن ترك المجال مفتوحاً لاستمرار البِر بالوالدين بعد موتهما [أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ]، إلا أنّ المرارة في الكفّ عن سماع الدعوات من ذلك الصوت أو الإحساس باللمسات من تلك الأيادي أو مشاهدة السرور والرضا على ذلك الوجه، منذ أن عرفنا الحياة بهما.

وقد يكون موت أحد الوالدين لحظةً يُراجع فيها الابن مدى تحقيقه أمر {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}..

حيث يأتي هذا الأمر في آية جليلة تنتظم فيها الأوامر والمشاعر الراقية بتسامٍ لغوي يفوق مقدرة البشر، ضمن التوجيه الربّاني الكريم بحُسن التعامل مع الوالدين والذي يتكرر في القرآن الكريم إلى حد اقتران أمر الإحسان إليهما بأهم الواجبات وهو توحيد الله سبحانه وتعالى {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}.

ومما ورد في خواطر الشيخ الشعراوي يرحمه الله حول هذه الآية الكريمة:

{وَٱخْفِضْ}: الخفْض ضد الرّفْع.

{جَنَاحَ ٱلذُّلِّ}: معروفٌ أن الطائر يرفع جناحه ويُرفْرِف به إنْ أراد أن يطير، ويخفضه إنْ أراد أن يحنوَ على صغاره ويحتضنهم ويغذّيهم. وهذه صورة مُحسَّة لنا ويدعونا الحق سبحانه وتعالى أن نقتدي بها بأن نُعامل الوالدين هذه المعاملة، فنحنو عليهم ونخفض لهم الجناح كنايةً عن الطاعة والحنان والخضوع والتواضع لهما.. والذِلَّة المطلوبة هنا هي ذِلَّة تواضع ورحمة بالوالدين.

ولأن رحمتك أنت (كابن) لا تكفي ولا تَفيِ بما قدّموه لك، فعليك أن تطلب لهما الرحمة الكُبرى من الله تعالى {وقل رب ٱرحمهما كما ربياني صغيراً..}.

وفي تفسير الجلالين {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ}: ألِن لهما جانبك الذَليل.

إذاً فالمطلوب أن يَحظى الوالدَان بتعاملٍ خاصٍ يختلف عن التعامل مع غيرهما من الأهل والأصدقاء والبشر كافة.. فيجب أن يتّسم التعامل معهما بالذِلّة البالغة ويكون لهما العلو دوماً وللابن الجانب الأدنى، بل لا يكفي حملهما على جناح الذِلّة وإنما يجب أن نخفض ذلك الجناح لهما لكي لا يبذلا جهداً.. ولو كان جهد الارتفاع على الجناح. والفرصة في بِرّهما، قبل موتِهما، بأن نكون في أفضل ذِلّةٍ معهما في الأقوال والأفعال والسَكَنات والحَركات والنظَرات، مثل تذلّل العبيد للسادة، بل وأكثر.

نسأل الله أن يُلهمنا رُشدنا ويُنعم علينا بالإحسان في جميع أحوالنا، وأن يُجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ويجمعنا بأحبابنا في مستقر رحمته مع سيّد الأولين والآخرين عليه الصلاة والسلام. وعند حلول الأمر المحتوم بالفراق الدنيوي لمن نُحب، فلنتذكر فقدنا لأغلى البشر عليه الصلاة والسلام [إذا أصاب أحدَكم مصيبةٌ، فلْيَذكُر مصيبته بي؛ فإنها من أعظم المصائب].