مثّلت مسيرة الأديب الراحل حامد دمنهوري ومنتجه الإبداعي مادة خصبة للدارسين، الذين تفننوا في بحث منجزه الأدبي والإبداعي من جوانبه المتعددة.. ولعل من أبرز الكتابات التي تناولت أدب الراحل الدمنهوري ما قدمته الباحثة موضي بنت عبدالله بن مقبل الخلف المعيدة في كلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمّد بن سعود، والمعلمة بمركز تعليم شمال الرياض من بحث بعنوان “حامد دمنهوري (1340 – 1385هـ) حياته وأدبه” نالت عليه درجة الماجستير الأسبوع الماضي من جامعة الإمام محمد بن سعود.. ولما لهذا البحث من ميزة تكشف مقدار الجهد الذي بذل فيه، فإن “الأربعاء” ينشر مقدمته كنوع من الإضاءة لمحتواه.
نص مقدمة البحث:
حامد حسين دمنهوري من أهم أدباء المملكة العربية السعودية وفي طليعة روادها، الذين تسلحوا بالعلم، ونهلوا من معين المعرفة، وحملوا على عاتقهم ضرورة نشرهما بين الناس.
وبالرغم من أن حامد دمنهوري تقلد عدة وظائف وأصبح من رجال الدولة وتضخمت مسؤولياته، إلا أنه لم يبخل بفكره وأدبه؛ إذ كان لتخصصه في اللغة العربية وما منحه الله من موهبة أصيلة نمت وتطورت بكثرة القراءة والاطلاع، وإتقانه اللغة الإنجليزية أثر كبير في صدق تجاربه الأدبية، وتنوع إبداعاته الفنية.
وشاع اسمه وعرف في وطنه وخارجه بعد كتابته لرواية “ثمن التضحية” التي صدرت في عام 1378هـ/1959م، فأحدث نقلة كبرى في تاريخ الفن القصصي بالمملكة، إذ عدَّت هذه الرواية أول رواية فنية في المملكة العربية السعودية، وأصبحت لها منزلة كبرى تضاهي منزلة “زينب” في الريادة، ونالت شهرة عالمية؛ إذ ترجمت إلى بعض اللغات الحية كالإنجليزية، والألمانية، والروسية.
وفي عام 1383هـ/1963م صدرت روايته الثانية “ومرّت الأيام”، وبعد بضعة أشهر كتب قصته القصيرة “كل شيء هادئ”.
وتحدث النقاد عن الدور الريادي للدمنهوري في الفن القصصي في المملكة، ومن هؤلاء سلطان القحطاني في كتابه “الرواية في المملكة العربية السعودية نشأتها وتطورها”، الذي قرأته أثناء دراستي للسنة التمهيدية أي قبل سنتين تقريبًا، فدفعني حديثه إلى دراسة حياة وأدب حامد دمنهوري، خاصة أنه أشار إلى أهم الدراسات النقدية التي تناولت فنه الروائي.
كما أني قرأت قبل سبعة عشر عامًا ما كتبه بكري شيخ أمين عن طريقة حامد الفنية، وفهمت معنى “المونولوج”، والاستبطان أثناء إعدادي لدرس مادة الأدب والنصوص للصف الثالث الثانوي، الذي تناول رواية “ثمن التضحية” لدمنهوري، فأعجبت بطريقته، وأدركت أنه على معرفة بأهم المدارس الأدبية، ويسعى إلى الأخذ بزمام الأدب ليواكب حركة التطور في كل من مصر وبلاد الشام.
وقبل أن أنتهي من دراسة السنة التمهيدية فكرت في هذا الموضوع واختياره للدراسة، خاصة أن بعض المراجع التي ترجمت لحياته ذكرت أن دمنهوري كان شاعرًا في مطلع شبابه، وأن له بضع مقالات تربوية نشرت في مجلة المعرفة، وبعض مقالات أدبية نشرتها مجلة المنهل.
وقرأت هذه المقالات، وأخبرت أستاذي عبدالله الحيدري برغبتي في دراسة حياة وأدب حامد دمنهوري، فذكر لي أن كتاب عبدالسلام طاهر الساسي “شعراء الحجاز في العصر الحديث” يضم بعض قصائد دمنهوري، وأخبرني بأن محمد أمين ساعاتي قد نشر له في “قصص مختارة” قصة بعنوان “كل شيء هادئ”، كما زودني برقم ابنته ثريا دمنهوري.
واتصلت بـ “ثريا دمنهوري”، فذكرتْ أن والدها قد كتب مقالات بعنوان “من تجارب الآخرين”، لكنها غير متأكدة في أي صحيفة نشرت، وربما تكون في جريدة اليمامة.
وسافرت إلى جدة وزرت أسرته الكريمة، وقابلت ابنته ثريا، واستقيت منها أهم المعلومات والحقائق التي ترتبط بحياة أبيها ومسيرته التعليمية والعملية، وزودتني بما احتفظت به من مقالات وقصص وقصائد مطبوعة ومخطوطة.
وبدأت البحث والتنقيب في بطون الصحف والمجلات عن آثار دمنهوري غير المطبوعة، فزرت مكتبة الحرم المكي الشريف، لكني لم أجد إلا مقالتين نشرتا في جريدة الندوة.
وعدت إلى الرياض واستأنفت البحث في مكتبة معهد الإدارة العامة، ومكتبة جامعة الملك سعود، ومكتبة الملك فهد الوطنية، ودارة الملك عبدالعزيز، وأمضيت عدة أشهر في الاطلاع على المصغرات الفيلمية “ميكروفيلم” لجريدة “البلاد السعودية، والبلاد، وعكاظ، والندوة، واليمامة”، إضافة إلى الاتصال بمراكز المعلومات لبعض المؤسسات الصحافية، كمؤسسة عكاظ، ومؤسسة اليمامة، وخلال عملية التنقيب اكتشفت نقصًا في أعداد جريدة اليمامة حتى عند المؤسسة نفسها.
وبلغ ما وجدته من مقالات خمسًا وثلاثين مقالة، أكثرها قد نشر في جريدة اليمامة الأسبوعية، وجريدة البلاد السعودية، وجريدة البلاد. بالإضافة إلى حوارات ثلاثة أجريت معه.
وكم تمنيت لو أن كتاب “ابن الثقافة.. وأبو الرواية حامد دمنهوري” لأستاذي عبدالله الحيدري، الذي صدر في مطلع شهر محرم عام 1431هـ، متضمنًا شعر وقصص ومقالات دمنهوري قد خرج إلى النور قبل أن أنتهي من مهمة البحث لكان الأمر سهلًا بالنسبة لي، وأراحني من صعوبات عديدة واجهتني، ومنها عدم معرفة أسماء الصحف التي نشرت مقالاته، مما جعلني أبحث من عام 1365هـ أي بعد عودته إلى المملكة وحتى شهر شعبان 1385هـ عام وفاته، بالإضافة إلى أن الوصول إلى الصحف القديمة والمصغرات الفيلمية ليس بالأمر السهل الميسور بالنسبة للباحثات.
ولتنوع إبداعات دمنهوري الفنية، وصدق تجاربه الإبداعية؛ وعمقها في نتاجه، خاصة الرواية؛ إضافة إلى أن جميع ما قدّم عنه من دراسات اقتصرت على فنه الروائي، ولم تعنَ بدراسة تفصيلية لحياته وبجمع ما تفرَّق من أدبه، وجاء أكثرها في سياق الحديث عن الرواية والروائيين في المملكة بشكل عام؛ عقدت العزم على اختيار “حامد دمنهوري حياته وأدبه” موضوعًا للدراسة؛ رغبة في الكشف عن نتاجه شبه المجهول، وإنصاف هذا الأديب، خاصة أن جلّ أدباء عصره قد حظوا بدراسات علمية بيّنت أصالة موهبتهم وصدق تجربتهم؛ كما أن في دراسة حياته ونتاجه الأدبي فائدة أدبية؛ فأدبه وثيقة اجتماعية وتاريخية تعين الباحثين والدارسين في فهم حقبة زمنية بالغة الأهمية في تاريخ أدبنا السعودي.
وقد اعتمدت في كتابة هذه الرسالة على آثار دمنهوري المطبوعة والمخطوطة، ثم ما كتب في ثنايا المراجع التي ترجمت له، أو تحدثت عن بعض جوانب إبداعاته الأدبية، وبما زودني به أستاذي المشرف من قائمة ببيلوجرافية. ولم أكتف بما توافر لي من الصحف والمجلات، فكانت بعض اللقاءات القصيرة بثريا دمنهوري ابنة الأديب، وبمنصور الحازمي، كما أجريت بعض المكالمات الهاتفية مع شقيقه عبدالله، وبعض زملائه كمصطفى العطار، وحاولت الاتصال بعبدالله عبدالجبار إلا أن ظروفه الصحية قد حالت دون ذلك.
أما المنهج الذي سرت عليه فهو المنهج التكاملي؛ رغبة مني في الإفادة من عدة مناهج كالتاريخي، والأسلوبي، والبنيوي، والوصفي بما يتناسب مع الأجناس الأدبية المختلفة التي أبدعها دمنهوري.
وقد سرت في هذا البحث على خطة تكونت من تمهيد وخمسة فصول؛ إضافة إلى المقدمة والخاتمة والفهارس.
أما التمهيد فقدمت فيه إلمامة عن الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لإقليم الحجاز في بداية العهد السعودي الحديث لما لها من أثر واضح في حياة حامد دمنهوري وفي تشكيل تجاربه الإبداعية. كما تضمن التمهيد بعض مقاطع من روايته الأولى “ثمن التضحية”؛ لتصويرها بعض النواحي السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية لإقليم الحجاز في أوائل الحكم السعودي.
وكان الفصل الأول حديثًا عن حياة حامد دمنهوري من خلال أربعة مباحث، فبدأت بذكر مولده ونشأته، وفصّلت القول في مسيرته العلمية والعملية، ثم تحدثت عن مصادر ثقافته، وتناولت آثاره الأدبية، سواء ما كان منها مطبوعًا وما كان مخطوطًا، وأنهيت هذا الفصل بالحديث عن وفاته.
وتناولت في الفصل الثاني القصة القصيرة لدى دمنهوري، وقدمت بمدخل نظري ذكرت فيه بدايات الفن القصصي في المملكة العربية السعودية، موضحة خصائص المرحلة الأولى والثانية بالوقوف عند أقوال بعض النقاد حول ما نشر من قصص في هاتين المرحلتين؛ لتكون مدخلًا لدراسة قصصه القصيرة الثلاث؛ ولأثبت أن حامد دمنهوري في قصصه القصيرة كان على وعي بالأسس الفنية لكتابة هذا النوع من القصص، وأن له قصب السبق في استخدام أساليب وطرق حديثة لم تعرف حينذاك في المملكة العربية السعودية، وأن قصته القصيرة “كل شيء هادئ” لم تحظ بالدراسة والتحليل، وكذلك ظلت قصتاه القصيرتان “نصف ساعة وافترقا” و“غربي يبحث عن نفسه” مجهولتين لدى النقاد والباحثين.
وتناولت في المبحث الأول من هذا الفصل خصائص المضمون، فبدأت بمدخل نظري يعرف بمفهوم كل عنصر منها، ثم تناولت الإطارين الزماني والمكاني، وخلصت إلى أن دمنهوري قد نجح في توظيفهما وربطهما بالشخصية الرئيسة والأحداث، ثم وقفت على أحداث قصصه، ووضّحت أنه أجاد في عرضها من خلال ربطها بالزمان والمكان والشخصية الرئيسة. ثم تناولت الشخصية الرئيسة وبعض الشخصيات التي ارتبطت بها وتوصلت إلى أن شخصية البطل كانت شخصية نامية متفاعلة مع الأحداث؛ إذ وفق الكاتب في الوقوف على دوافعها النفسية.
أما المبحث الثاني فتناولت فيه أدوات الخطاب “السرد، والوصف والحوار”، وقدمت لكل منها بمدخل نظري، ثم وضّحت طريقة الدمنهوري في سرده لأحداث قصصه، وخلصت من خلالها إلى أن دمنهوري له قصب السبق في توظيف بعض تقنيات تيار الوعي كالتذكر والحوار الداخلي الذي ظهر بكل وضوح في قصته “كل شيء هادئ”، مما جعل السرد موجزًا متلائمًا مع طبيعة القصة القصيرة، وكذلك تحدثت عن وصفه للمكان والشخصيات، وتوصلت إلى أنه كان يهتم باللحظات الشعورية والمواقف النفسية للشخصية، وبعد ذلك درست الحوار، فوجدته موجزًا ومصاحبًا أحيانًا للحركة الحسية أو للموقف النفسي للشخصية المحورية.
أما الفصل الثالث فهو أطول الفصول وأهمها؛ إذ كان مخصصًا لدراسة فنه الروائي المتمثل في روايته الأولى “ثمن التضحية”، وروايته الثانية “ومرّت الأيام”، وبدأته بمدخل نظري تحدثت فيه عن مسيرة الرواية السعودية من خلال مراحلها الثلاث، وذكرت ما أجمع عليه النقاد من تأريخهم لبداية المرحلة الثانية بإصدار دمنهوري روايته “ثمن التضحية”، التي كانت تحولًا في مسيرة الرواية السعودية.
ثم قدمت عرضًا لهذه الرواية من خلال الحديث عن موضوعها، ذاكرة أقوال وآراء بعض النقاد حول مضمونها، وإعجابهم بعمق المعالجة الفنية لصاحبها.
وكانت الدراسة عبر المحورين الرئيسين اللذين سبق أن درست من خلالهما قصصه القصيرة، وهما: خصائص المضمون، وأدوات الخطاب، وقبل الشروع في توضيح عناصر كل منهما قدمت بمدخل نظري تحدثت فيه عن مفهوم كل عنصر، وعلاقته بغيره من عناصر البناء الروائي.
وبدأت في دراسة عناصر المحور الأول، فتناولت الإطارين الزماني والمكاني، بالوقوف على الزمن التاريخي والزمن الروائي، ثم تحدثت عن الأمكنة المغلقة والمفتوحة التي تقطنها الشخصية الرئيسة أو ترتادها في كل من مكة والقاهرة، وخلصت إلى أن دمنهوري قد اهتم بالزمن التاريخي والروائي، بالإضافة للزمن الداخلي للأحداث؛ إذ جعله موضحًا لمشاعر الشخصية الرئيسة، وبعض الشخصيات الثانوية، وتجلى ذلك بكل وضوح عبر تقنيتي التذكر والاستباق، وبارتباط الزمن الروائي من حيث السرعة والبطء ببعض التقنيات كـ “التلخيص، والحذف، والمشهد، والوقفة”.
وأولى المكان عناية واهتمامًا؛ إذ شغلت البيئة المكية حيزًا كبيرًا من مساحة هذه الرواية، وقد نجح في تصويرها عبر ثنائيتي الوصف والسرد.
ثم تناولت الأحداث، فوضحت أنها موزعة على قسمين متكاملين عبر حبكة محكمة، وخلصت إلى أن دمنهوري قد وفق في عرض الأحداث التي كان لها دور كبير في توضيح الفكرة، وفي إظهار الشخصية الرئيسة، وبعض الشخصيات الأخرى.
وقمت بدراسة الشخصية المحورية، وبعض الشخصيات الثانوية، وخلصت إلى أن دمنهوري قد اعتنى بالشخصية الرئيسة، وببعض الشخصيات الثانوية، كشخصية الشيخ “عبدالرحمن” والد البطل، وشخصية “فاطمة” ابنة عمه، فقدّم معلومات عنها على امتداد الرواية، وحرص على إظهارها بأبعادها المختلفة، وإن بدا تركيزه على البعد النفسي واضحًا.
أما المحور الثاني فكان مخصصًا لدراسة أدوات الخطاب، فبدأت الحديث عن السرد متناولة أهم المصطلحات التي ترتبط بالراوي وموقعه، ثم عرضت لأهم الدراسات التي تناولت بنية الحكاية في “ثمن التضحية”، وحددت موقع الراوي فيها، بالوقوف على طريقة دمنهوري الفنية، وخلصت إلى أنه اختار راويًا عالمًا بكل شيء، باستخدام ضمير الغائب “هو”، وتفضيل الشكل الدائري للبناء، وتوظيف بعض تقنيات تيار الوعي، كالحوار الداخلي بنوعيه المباشر وغير المباشر، وكذلك التذكر أو الاسترجاع، بالإضافة إلى استخدامه التلخيص، والحذف، والمشهد، والرسائل، والحلم.
وذكرت اهتمامه باللغة الفصيحة المتنوعة المستويات سواء كانت اللغة تسجيلية، أو تصويرية، أو تعبيرية، أو مرجعية.
ثم تناولت الوصف لديه فوقفت عند وصف الأمكنة والشخصيات، وتوصلت إلى أنه قد جاء في الغالب وصفًا عامًا دون تفصيل، ماعدا مقاطع محدودة كان الوصف فيها دقيقًا؛ إذ لجأ دمنهوري إلى التحليل النفسي في رسم ملامح الشخصية وفي تطور الأحداث، كما كان الوصف في بعضها بعين الشخصية الرئيسة، التي كانت مرتبطة بالمكان، وبهذا تكشفت مشاعر الشخصية، فظهرت اللغة التعبيرية المؤثرة.
ووقفت عند آخر هذه الأدوات، فتحدثت عن دور الحوار وارتباطه بعناصر البناء الفني في الرواية، وخلصت إلى أن دمنهوري وفق في الحوار الذي أجراه بين شخصياته الروائية؛ إذ كان بلغة عربية فصيحة بعيدة عن التكلف.
وأشرت في نهاية هذا المبحث إلى إعجاب النقاد بطريقة دمنهوري الفنية، وبلغته الروائية؛ إذ كانت فصيحة، واضحة التراكيب، بعيدة عن التقعر والتكلف، متنوعة المستويات، لم تخل من بعض الومضات البلاغية كالتشبيه والاستعارة، واقترابها في الحوار الداخلي والوصف من اللغة الشعرية؛ فعدّ رائدًا للفن الروائي في المملكة العربية السعودية.
وتناولت في المبحث الثاني روايته “ومرّت الأيام”، وقدّمت دراسة لها من خلال خصائص المضمون وأدوات الخطاب نفسها، التي درست بواسطتها روايته الأولى “ثمن التضحية”، وكذلك قصصه القصيرة.
وقبل أن أشرع بالدراسة رأيت أن أقدم لها بمدخل نظري تحدثت فيه عن تغير وتبدل الأفكار والمفاهيم لدى كتاب الرواية في الوطن العربي في مطلع الستينيات الميلادية، وبيّنت أن دمنهوري كان على وعي بهذه المسألة؛ فجاء بطريقة جديدة تختلف عما كان سائدًا حينذاك.
وتحدثت عن فكرة هذه الرواية، وذكرت إحجام أغلب النقاد عن دراستها، ثم تناولت خصائص المضمون، وأدوات الخطاب، وقدمت لهما بمدخل نظري حرصت أن يكون متناسبًا مع التغيير الذي حدث للرواية في مطلع الستينيات.
وقد بدأت الإطارين الزماني والمكاني بالوقوف عند العنوان ذاكرة ارتباطه بالزمن المتسارع الذي شهدته المملكة في السبعينيات الهجرية، ثم تحدثت عن الزمن الروائي، وخلصت إلى أن دمنهوري في بنائه لهذه الرواية قد تعمق في وصف الحالات النفسية، ونجح في المزاوجة بين الماضي والحاضر عبر استخدامه للتذكر والحوار الداخلي المباشر، كما اهتم بالمكان وأظهره من خلال أبعاده المختلفة، موضحًا التغيّر والتبدل الذي أصاب بعض الأمكنة بسبب ذلك الزمن المتسارع.
وفي الأحداث اعتمد دمنهوري على حبكة حديثة من خلال الاهتمام بالماضي الذي كان حاضرًا في ذاكرة البطل، والحاضر يتصل به ولم ينفصل عنه، وبذلك ظهرت عنايته بالزمن النفسي للشخصية الرئيسة. وخلصت إلى أن دمنهوري قد جمع بين ضربين من الحبكة، أولهما نفسي، والثاني فلسفي، وأنه استمر في عرض الأحداث من خلالهما حتى وصل إلى النهاية المفتوحة التي تتناسب مع هذه الحبكة.
ثم تناولت الشخصيات، فتحدثت عن شخصية “إسماعيل” واختلافها عن شخصية البطل في “ثمن التضحية”، ووقفت على أهم أبعادها المختلفة، كما تناولت بعض الشخصيات الثانوية كشخصية “عزيزة” والدة البطل، وشخصية “سلوى” ابنة شريكه اللبناني. وخلصت إلى أن البعد النفسي قد حظي باهتمام كبير من دمنهوري، وأن شخصية البطل شخصية إيجابية ناجحة اجتماعيًا بالرغم من فشلها في تحقيق الاستقرار النفسي.
وفي أدوات الخطاب تحدثت عن السرد موضحة موقع الراوي والبناء الفني لهذه الرواية، وخلصت إلى أن دمنهوري قد تأثر بالحركة الرومانسية التي كانت في مضمونها فردية النزعة، فاهتم بالذات التي كانت محورًا مهمًا في بناء الرواية، مستفيدًا من تقنيات تيار الوعي كالمونولوج الداخلي المباشر، وتوظيف الرسائل، والمذكرات، والحلم.
وتناولت الوصف في هذه الرواية، ووقفت عند وصف الأمكنة والشخصيات، وتوصلت إلى أن دمنهوري كان يريد بالوصف الإيحاء بأبعاد نفسية وفكرية فلم يعنَ بالتفاصيل، وإنما كان تركيزه على أفعال وحركات الشخصية، وتوضيح مشاعرها وحالتها النفسية، لذا ظهرت اللغة الشعرية في بعض المقاطع الوصفية.
وفي الحوار تحدثت عن المساحة الكبيرة التي احتلها في هذه الرواية، وأشرت إلى طغيان المقاطع الحوارية على المشاهد الوصفية، وخلصت إلى أن الحوار كان عاملًا مساعدًا لتصوير الحركة النفسية للشخصيات والتعمق في أغوارها، وأن له دلالات نفسية، خاصة بعد أن كثرت حوارات البطل الداخلية، ومناجاته النفسية، واسترجاعه للماضي باستمرار.
أما الفصل الرابع فقد خصصته لدراسة مقالاته، وقبل عرض أنواعها قدمت بمدخل نظري تناولت فيه المراحل الأربع التي مرّ بها هذا الفن في المملكة، ثم ذكرت أن مقالات حامد دمنهوري قد مثّلت مرحلتي التأسيس والتجديد، وبدأت بتوضيح مضامينها، وأهم الأفكار الواردة فيها، كما قمت برصد عددها، فأشرت إلى أولها وآخرها، معتمدة في ذلك على المنهج الوصفي، وذكرت الاهتمام الكبير الذي أولاه دمنهوري للمقالة الاجتماعية وقسّمت موضوعاتها من خلال في أربعة محاور، هي: الإصلاح الاجتماعي، والتربية والتعليم، والثقافة والإعلام، والحضارة والتنمية.
وتحدثت عن المقالة الأدبية، فذكرت أنها أول ما كتب دمنهوري؛ إذ تناول بعض القضايا الأدبية والنقدية، وعرّف ببعض الشخصيات الأدبية، وتحدث عن الأمثال وعلاقتها بتطور المجتمع وباللغة العربية.
ثم وقفت على المقالة الذاتية، وذكرت أنها لم تأخذ إلا حيزًا صغيرًا من اهتمامه، وأشرت إلى ظهور طابع الذاتية في مقالتين من مقالاته الاجتماعية.
وجاء المبحث الثاني لدراسة الخصائص الفنية لهذه المقالات، فبدأت بتحليل البناء، من خلال العنوان، والمقدمة، والعرض، والخاتمة، ثم تناولت الأفكار حيث كتب في الثقافة والمجتمع والتربية، وكانت أفكاره واقعية تطويرية تدعو إلى تقدم وتطور البلاد في الميادين كافة.
وذكرت في تحليل الألفاظ والتراكيب أن دمنهوري كان يحسن انتقاء اللفظ، ويضعه في سياق مناسب متين التركيب، ويحرص على تماسك وترابط الجمل والفقر.
ووضّحت الأسلوب من خلال النظر في أربع سمات أسلوبية، هي: الوضوح والبعد عن الغرابة، والأسلوب القصصي، والظواهر البلاغية، وعدم التوثيق.
وبعد توضيح هذه السمات توصلت إلى المحور الذي ينتظم مقالاته بشكل عام، ويؤكد حرصه على الوضوح، وهو التكرار اللفظي بلونيه تشابه الأطراف والترديد.
ثم ذكرت محورًا آخر ظهر واضحًا جليًا في جميع نتاجه النثري، وهو استخدامه لإحدى تقنيات تيار الوعي عبر الاسترجاع؛ إذ تداعت الذكريات بمواقفها وأحداثها السعيدة أو الحزينة؛ لتكشف عن وجدانية دمنهوري، وروحه المتفائلة، الآخذة بيد الفرد، الساعية إلى إصلاح المجتمع، الداعية إلى تقدم وتطور البلاد في الميادين كافة.
أما الفصل الخامس والأخير فبدأته بمدخل نظري تحدثت فيه عن المراحل التي مرّ بها الشعر في المملكة، وذكرت أن دمنهوري من شعراء المرحلة الثانية، الذين كانوا شديدي التأثر بالاتجاه الرومانسي؛ ثم تناولت موضوعات شعره، موضحة بروز سمات التيار المحافظ، والتيار الابتداعي؛ إذ نظم في المديح، والرثاء، وطرق موضوعات جديدة ممثلة لروح العصر، وقمت بتصنيف موضوعات شعره المعبرة عن تجربته الشعرية المتصلة بالذات والمرأة، واتضح في مضامين قصائد عدم الخروج عن إطار الأدب والخلق القويم؛ إذ كان شاعرًا ملتزمًا يعي مسؤولية الكلمة وعظيم أثرها في النفوس.
ثم وضّحت الخصائص الفنية لشعره، فبدأت ببناء القصيدة، فكان ملتزمًا بالبناء العمودي ذي الأوزان الخليلية، بالرغم من نظمه الشعر المرسل المتعدد القوافي. كما أشرت إلى ظهور الوحدة العضوية في قصائده الرومانسية.
وتناولت في لغة دمنهوري الشعرية معجمه الشعري، إذ كان يفضل الألفاظ السهلة الرقيقة، ويأتي بالصور العذبة، ويجنح إلى الخيال، ويميل إلى الطبيعة ويلجأ إليها، ويبث الشكوى والحزن، وذلك في قصائده الرومانسية. وأشرت إلى أهم الظواهر اللغوية في شعره، كظاهرة التكرار، وظاهرة التقديم والتأخير. وتحدثت في الصورة الشعرية عن تنوع الصورة لديه، ثم ذكرت أهم وظائفها كالتوضيح والمبالغة. وذكرت في الموسيقى الشعرية بحور شعره، فتناولت حروف الروي المفضلة لديه، ثم قسمت قوافيه إلى مطلقة ومقيدة، ووضّحت الموسيقى الداخلية في قصائده. كما أشرت إلى سلامة أذنه الموسيقية، وتمكنه من بحور الشعر، وميله إلى البحور الراقصة منها، كالكامل والرمل والمتقارب وذات التفعيلة الموحدة، ولاحظت تفضيله للقوافي الذائعة السهلة المطروقة.
ومن خلال هذا العرض لفصول الرسالة ظهرت بعض النتائج، وفيما يلي أهمها:
أولًا: تبين لي من خلال دراسة حياة حامد دمنهوري أهم المؤثرات في ثقافته ومصادرها، وأثرها في تشكيل شخصيته الأدبية التي تتسم بالموسوعية؛ إذ كان أديبًا شموليًا، كتب “القصة القصيرة، والمقالة، والرواية”، ومال في مطلع شبابه إلى نظم الشعر الغنائي.
ثانيًا: كشفت الدراسة تفضيل دمنهوري كتابة الرواية والقصة القصيرة، إذ استطاع تحويل هموم الذات إلى همومٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ موضوعية تهم المجتمع وتعنى بشؤونه، باستخدامه أساليب سردية حديثة لم تكن معروفة في المملكة، فعدَّ رائدًا للفنِ الروائي فيها، وأصبحت روايتاه “ثمن التضحية” و“ومرّت الأيام” وثيقة اجتماعية، ترصد التحولات والتغيرات في المجتمعِ المكيّ في فترة السبعينيات وبداية الثمانينيات الهجرية.
ثالثًا: كشفت الدراسة صدق عاطفة دمنهوري ووجدانيته؛ إذ عبر شعره عن خوالج النفس وأحاسيسها، ومال في الرواية والقصة القصيرة إلى الحوار الداخلي المشابه للشعر الوجداني، المرتبط بالنفس والمشاعر والأحاسيس.
رابعًا: تبين لي بعد دراسة الفن القصصي لدى دمنهوري أن هناك تشابهًا بينه وبين الروائي نجيب محفوظ في طريقة البناء الفني من حيث الاهتمام بالشخصية، واستخدام وسائل تيار الوعي، والاعتماد على التحليل النفسي، والاهتمام بالنهاية المفتوحة.
خامسًا: تبين لي خلال الدراسة الاهتمام الذي أولاه دمنهوري للبيئة، وحرصه على تصويرها من خلال فترة زمنية معينة بالتركيز على أهم تضاريسها المكانية والاجتماعية.
سادسًا: كشفت الدراسة اهتمام دمنهوري في مقالاته الاجتماعية بنقد السلوكيات الخاطئة، وحرصه على الإصلاح الاجتماعي.
سابعًا: كشفت الدراسة اللغة الراقية والمؤدبة التي تشي بحياء كاتبها والتزامه؛ فلم تظهر في جميع كتابات دمنهوري تلك اللغة المكشوفة البعيدة عن الأدب والخلق القويم.
ثامنًا: تبيّن لي بعد تحليل نصوص حامد دمنهوري الشعرية والنثرية تفضيله لنوعين من التكرار، هما: تشابه الأطراف، والترديد.
وفي الختام أوصي بإعادة نشر روايتي دمنهوري “ثمن التضحية”، و“ومرّت الأيام”؛ فأبناء هذا الجيل بحاجة إلى أدب نظيف يبتعد بهم عن خدش الحياء وإثارة الغرائز، خاصة أن أكثر ما ينشر في هذه الفترة قد جاء بلغة روائية مكشوفة، خلع أصحابها رداء الحياء.
وأتوجه إلى وزارة التربية والتعليم للاستفادة من بعض المقترحات التربوية المميزة التي نادى بها دمنهوري في بعض مقالاته الاجتماعية، فقد أسفرت عن عقلية مبدعة، وأفكار نيرة، وتجارب تربوية سديدة.