يدخل عليك بعض المحبين -أحياناً- بهدايا تفوق مقدراتهم المادية التي تعرفها عنهم، فتستقبلهم هاشاً باشاً وأنت في داخلك تتمزَّق من الألم على ما تحمَّلوه، ليس فقط من تحمُّل مشاق الزيارة، ولكن أيضاً التكاليف التي أقول في خاطري ليتهم وفَّروها لقضاء حاجة مُلحّة، فأبناؤهم أولى بها.. لكنها أخلاقهم العالية وعزّة نفسهم التي تمنعني من أن أُحاول في المقابل أن أضع في يدهم ما أعرف أنهم في أمسِّ الحاجة له، ويمنعني الحياء -حياؤهم وقدرهم- وحيائي من أن أؤذيهم ولو حتى بحق واجب قد تؤجله لما بعد.

** **

ولا أنسى تلك الهدية المتواضعة من أحد الأصدقاء التي لم تتجاوز بعض قراطيس مكسرات اعتبرتها في نفسي أكبر هدية تلقيتها على مر حياتي، فقد عبّرت عن حبه وودّه اللامتناهي، فدمعت عيوني وأنا أكتب له صادقاً رسالة بعد أن غادر، بأن هديته جاءت بما حملته من حب وتقدير، كأغلى هدية أُهديت لي من صديق أو قريب.

** **

الإنسان يصبح أكثر بهاءً وجمالاً، ليس من خلال شكله، أو ما يمتلكه من جاهٍ ومال، بل من خلال ما يظهره من مشاعر الحُب والاحترام، والتقدير والرعاية للآخرين. والهدية هي من دلائل ومؤشرات الحب، وهي شعار التقدير، وعنوان التكريم، ولذلك فقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم الهدية، ومنحها، وأقرها، وأخذها من المسلم وغير المسلم، وقبلها من المرأة كما قبلها من الرجل، وحث النبي صلى الله عليه وسلم على التهادي، فبها تطيب القلوب ويذهب حر الخصومة.

** **

والهدية ليست بثمنها ولكن برمزيتها.. فهي رسالة محبة، وأجمل الرسائل تلك التي تكون بأقل عدد من الكلمات تصل من القلب وإلى القلب. وإذا كان قد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة، أو كلمة طيبة، حثاً على الصدقة أو العمل الصالح يقدمه الإنسان ويجعل منه حاجزاً بينه وبين النار، فإن الهدية لها أيضاً قدرها وفضلها.. فإن كليهما عبادة وقربة لله تعالى، وإذا كان لإحداهما الفضل فهو بحسب المقام وحال المهدى إليه أو المتصدَق عليه، وحاجته، وحال المهدي أو المتصدِق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: سبق درهم مائة ألف درهم.

وهكذا.. إياك، إياك أن تستصغر الهدية مهما ضعفت، وتحتقر المنحة مهما صغرت، وتتكبَّر على الأعطية مهما حقرت.. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من سألكم بالله فاعطوه، ومن استعاذكم فأعيذوه، ومن أهدى إليكم كراعا فاقبلوه».

#نافذة:

بصلة المُحب خروف.