مقالي الأخير في جريدتي الحبيبة التي أعطتني هذا الحيِّز الجميل لنشر كلماتي، سأسترجع فيه باختصار كلمة قلتها في الصديق عابد خزندار -رحمه الله- في حفل تكريمه في «اثنينية عبدالمقصود خوجة»، فقد شكلت سلسلة مقالاته التي تناول فيها كثيراً من هموم الناس وقضاياهم، ظاهرة عكس فيها نبض الشارع، فكان تجاوبهم معه بقدر تفاعله مع قضاياهم.

** **

لقد أثبت الأستاذ عابد خزندار المقولة التي كان كثيراً ما يُردِّدها أديبنا المبدع الأستاذ محمد حسين زيدان -رحمهما الله- وهي أن يقظة الجريدة لمطلب القارئ هي أساس نجاحها، فأي جريدة لا تعبأ بالقارئ فسوف تجد نفسها قارئة نفسها، وأن أي قارئ لا يعبأ بأن يُفكِّر لجريدته، فإنه سوف لا يجد نفسه قارئاً ما يفيد. وقد عايش عابد خزندار القارئ وعاش همومه، وليس هذا بالشيء القليل، فأعطى الجريدة قيمتها، والقارئ حقه.

** **

وكان الصديق عابد خزندار قد توقَّف عن الكتابة وقتها، فقلت له، إنني أنظر إلى فترة توقفه، على أنها استراحة المحارب، يعود بعدها لممارسة إبداعه، وهي عملية شبهتُها بصمام الأمان في (قدر الضغط)، فعندما تبلغ الحرارة درجة عالية، يقوم هذا الصمام أتوماتيكياً بإطلاق البخار من القدر حتى لا تشيط (الطبخة) أو يحترق الطعام، وخبراء الإعلام لدينا أو ما نُسمِّيهم ظُلماً بالرُّقبَاء هم صمام الأمان، صمام أمان الكلمة، يخافون أن تصل درجة حرارة كلماتنا إلى درجة قد تُعرِّضنا للأذى، فيحموننا «جزاهم الله خيراً» من أنفسنا، حتى لا نصل إلى مرحلة الاحتراق أو الشياط.

** **

لذا ربما جاء قراري بالتوقف عن الكتابة في (المدينة) الحبيبة استجابةً لهذه الآلية. فالكاتب سلاحه الكلمة، كلما استطاع أن يصل بها إلى قلب الحقيقة بلا إحراق ولا احتراق، بلا تشهير ولا كذبٍ، قدرة بلا تجنٍّ، وقوة بلا صلفٍ، ومرونة بلا ضعف، كلما كان أقرب للقارئ.. ولأصحاب القرار، وقد كان هذا دأبي منذ بدأت الكتابة من أكثر من 40 عاماً حتى الآن.

#نافذة:

هذا الكيان الشامخ.. هذه الوحدة التي تحتضن أربعة أخماس الجزيرة العربية لم تقم بالأماني ولم تتلاحق بالأحلام، وإنما قامت بالدماء والدموع والآلام، ولكي نحافظ على وحدة كياننا لا بد أن نحاسب أنفسنا، لا بد أن نهز أنفسنا من الداخل، لنعرف بالضبط أخطاءنا وعيوبنا.

والكلمة الصادقة هي كالدواء والكبسولة من العقار، قد تكون كريهة الرائحة قاسية المرارة، لكنها وسيلة من وسائل العلاج.

عبدالله بن سليمان الحصين