يحتفظ التاريخ في مقره الحجري العتيق بغرفة للملابس، يغير فيها أبطاله ملامحهم، وثيابهم تبعاً لمقتضيات كل طور من أطواره، وكل دور من أدوارهم.

في غرفة الملابس أيضاً قاعة للمرايا، تشبه تلك التي نراها في دور الملاهي، يستعين بها أبطال أدواره، على إنتاج صورتهم المفضلة.

داخل غرفة المرايا، يحلو لإيران أن ترتدي حلة إمبراطورية، تليق بإرث فارس، وتسمح لها بممارسة الحنين لاستعادة مجد غابر خضعت خلاله المنطقة لسلطانها.

وداخل نفس الغرفة ، تطالع تركيا صورتها في مرآة مكبرة، وتستدعي -بينما تمسك بأطراف ثوبها وتدور على كعبيها أمام المرآة- صورة دولة (الخلافة) المهيمنة على الشرق كله.

أما اسرائيل، فيعجبها جداً دور الفأر جيري، الصغير الخفيف السريع الذكي، الذي يستطيع أن يؤرق خصومه من ذوات الحجم الكبير والقبضة الباطشة.

الشرق الأوسط كله، في غرفة الملابس الآن، في طور الإعداد لمرحلة جديدة في التاريخ، لا تكتبها في الغالب أقلام شعوبه.

استدعاء التاريخ ليعيد رسم خارطة الإقليم، فكرة قد تليق بمبدعي أفلام الخيال العلمي، لكن صناع الإستراتيجية، ولاعبي السياسة، يدركون طول الوقت، أن غرفة الملابس في القاعة الحجرية ببيت التاريخ، لا يمكنها أن تكتب تاريخاً، وأن غرفة المرايا التي تظهر الأقزام في صور العمالقة، لا يمكنها أن تغير حقائق القوة.

أبرز حقائق القوة في المنطقة الآن، أن ثمة توازناً هشاً قد يعرض الإقليم كله لعواصف التغيير، وأن هذا التغيير الذي قد تحمله العواصف، قد لا يجلب الاستقرار والأمن لشعوب الإقليم، وأن المستفيد الأكبر مما يجري في المنطقة هو قوى من خارجها، تستثمر أحلام البعض في استدعاء الماضي (فارسياً كان أم عثمانياً)، من أجل إحكام قبضتها هي على المستقبل. أبرز تلك القوى الخارجية، وأكثرها قدرة، في اللحظة الراهنة، على الحضور في الإقليم، والعبث بخرائطه، هي روسيا، التي أقامت بالفعل رؤوس جسور لقوتها شرقي المتوسط، وتسعى للتمدد عبر شمال أفريقيا.

إيران في غرفة الملابس، خلعت تاج كسرى، واعتمرت عمامة الإمام، لكنها في غرفة المرايا ترى نفسها متوجة بتاج قورش الأعظم إمبراطور فارس التاريخي.

ليل المساخر الطويل الذي خيم على الاقليم، ينبغي أن ينزاح، وهو لن يرحل قبل تبديد الأوهام المصنوعة في غرفة المرايا، تلك الأوهام لن يبددها سوى عودة العرب إلى قلب المشهد الشرق أوسطي، كقوة مؤثرة وفاعلة، لا كجسد مسجَّى أمام القصَّابين في غرفة الخرائط.

ثمة شروط لن يستعيد العرب بدونها حضورهم الإقليمي كقوة مؤثرة وفاعلة:

أول هذه الشروط، هو امتلاك رؤية عربية لهذا الإقليم، وبناء صورة للذات العربية فوق خارطته.

ثاني هذه الشروط: امتلاك إرادة الحضور والتأثير، وهو ما لن يتحقق بغير استحضار طاقات الشعوب، واستدعاء عوامل قوة الجيوش.

ثالث هذه الشروط: استيعاب حقائق الجغرافيا، والتعلم من دروس التاريخ.. أما أول حقائق الجغرافيا فهو أن الجوار من صنع القدر، الذي لا قبل لنا بتبديله، حيث لا نملك ترف نقل الجار المزعج، واستحضار جار طيب بدلاً عنه، وإنما يمكن فقط استدعاء كافة الأسباب التي تجعل الجار الشرير طيباً، أو أقل ميلاً للشر.

امتلاك أسباب القوة، وتعظيمها، هو أبرز الوسائل لإنتاج جيران طيبين، لكن بناء جسور التعاون هو أيضاً من أنجع الوسائل لتقليص احتمالات الصدام مع الجوار، وإقناع الجار غير الطيب بأن (الطيب أحسن).

في هذا السياق، فقد يكون مفيداً لكافة شعوب الشرق الأوسط، تبني رؤية تسمح ببناء الثقة بين دول الجوار المتنافرة، وتتيح توفير ضمانات جماعية مصدرها الإقليم ذاته، لحماية السلم وتقليص احتمالات الصراع المسلح، عبر تكريس ذات المبادىء التي أنتجها صلح ويستفاليا الذي أنهى حرب الثلاثين عاماً في أوروبا عام ١٦٤٨، مثل مبدأ نبذ استخدام القوة لتسوية النزاعات بين الدول، ومبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، ومبدأ حسن الجوار، ومبدأ تسوية المنازعات سلمياً، ومبدأ الامتناع عن دعم جماعات مسلحة لا تحظى بالشرعية أو مصنفة باعتبارها إرهابية. ذلك أن بناء توافق حول هذه المبادئ، وما ينشأ عنه من التزامات بعضها عملي أو واقعي وبعضها قانوني أو أخلاقي هو عمل مفيد بالضرورة.

وقد طرحت هذه الفكرة عبر حسابي في مواقع التواصل الاجتماعي، واعتبرتها فكرة للتأمل، اذ ما زلت أرى أن تمضي السياسة الى أقصى ضفاف الممكن، وأن تحقق في حالة منطقتنا على الأقل، تسويات توقف نزيف الدم ونزيف الثروات، وتتيح وقفة حضارية بين شعوب المنطقة هدفها تعظيم المشترك فيما بينها، وتقليص المختلف عليه فيما بينها، والالتزام بالمبادىء العامة التي ارتضتها الأسرة الدولية، وفي مقدمتها، احترام علاقات وحقائق الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ونبذ استخدام القوة لتسوية النزاعات، والالتزام الكامل بمبدأ تسوية المنازعات بالطرق السلمية، الى آخر تلك المبادىء التي أكدها ميثاق الأمم المتحدة.

لكن كل ما ورد أعلاه، يصبح ضرباً من الخيال، إذا غابت حسابات القوة الكافية لمنع الحروب، وإقناع من يضمرونها في أنفسهم، بعدم جدواها.

بناء توازن للقوى في الإقليم، سواء من خلال تعزيز عناصر القوة الذاتية، أو من خلال بناء تحالفات فعالة، أو من خلال التصدي المباشر لاحتمالات استفراد أحد الأطراف بامتلاك خيارات ردع أو ابتزاز (سلاح نووي مثلاً)، هو شرط أساسي لإسباغ المصداقية على ما طرحته في هذا المقال، والله من وراء القصد.