يشير الناقد الآيرلندي ريموند ويليامز (Williams Raymond ) ضمن تتبعه للتطور الدلالي لمفهوم كلمة (الثقافة)، أنها منذ دخلت إلى الإنجليزية في الثلث الأول من القرن الخامس عشر قادمة من الأصل اللاتيني (cultura)، وكانت تشير إلى دلالات متعددة في مجالات اجتماعية ودينية مثل (السكن، السكان، الزراعة، والعبادة)، لم يطرأ عليها تحول دلالي ملحوظ حتى نهايات القرن الثامن عشر، وذلك حين بدأت الآلة تفرض سيطرتها وتهدد وجود الإنسان وتأخذ مكانه.

جاءت الآلة لتقوم بعمل الإنسان، وأكثر من ذلك، يحسب الإنسان أنه يصنعها ليطوعها لخدمته، لكنها أيضاً تهمشه وتجعله صغيراً ضعيفاً أمام قوتها، تتحكم في وجوده، تحميه وتقتله، تبني له وتهدم عليه، وهو يستحيل عبداً لها، وقد كان سيدها.. أو كما يشير بوكانان Buchanan)) في كتابه، «الآلة: قوة وسلطة» بأن عملية التغير التي تقودها الآلة تختلف «عن التغير الدوري للفصول أو عملية الشيخوخة الطبيعية، إنها على الأصح عملية تغير في ظروف الحياة، إذ أصبحت الحياة عملية تحول دائم ومطرد، وهذا من شأنه أن يزيد من صعوبة فهم الكيفية التي كانت عليها الحياة في عصور سابقة».

لذلك -وفي هذا الخضم- بدأ المفكرون بطرح أسئلة الوجود الإنساني أمام الآلة عديمة الروح.. فكيف يصنع الإنسان الوسيلة التي تستعبده والسلاح الذي يقتله؟! وكيف يترك لها العنان لتفعل ذلك؟ بل كيف يتسابق ويتنافس الإنسان مع مثيله الإنسان ليصنع آلة تستعبده أكثر وتهمشه أكثر وتقتله بطريقة أكثر فعالية؟! وما هي قيمة الإنسان أمام هذه الآلة العملاقة؟! وجد بعض المفكرين الإجابة عن هذا السؤال الأخير في مفهوم «الثقافة»، الذي أصبح اختصاراً لمقاومة هذا الزحف المرعب لعالم الآلة في حياة الإنسان.. في تلك الفترة أضحت الكلمة كما يؤكد ويليامز: «تستخدم لتمييز الإنساني عن التطور المادي الحسي».

وقد يكون الناقد البريطاني ماثيو أرنولد Matthew Arnold)) من أبرز النقاد الذين تناولوا هذا المفهوم وسوقوا له حتى ارتبط به، حيث يرى أن اهتمام الثقافة أبعد من الآلة والآلية، الثقافة لا تكره إلا الكره ذاته.. ذلك لأن للثقافة شغفاً واحداً فقط: هو الشغف للجمال (اللذة) والنور.. ويستدرك أرنولد بأن الشغف الوحيد الذي يفوق شغف الثقافة للجمال وللنور هو شغفها أن ينتشرا ويسودا في البشرية.. من هنا يعرف أرنولد الثقافة بأنها «أفضل ما أنتج من فكر ومن قول». ويعلق ديك هبدج (Dick Hebdige) بأن هذا التعريف ينطلق أساساً من مجموعة من المعايير الراقية جمالياً النابعة من التقدير العالي للفنون الجمالية الكلاسيكية كالأوبرا، والباليه، والدراما، والأدب والرسم.

ببساطة يرى أرنولد، والمتفقون مع توجهه، أن هذه الفنون الراقية هي التي تضيء روح الإنسان، وترفع من قيمه الإنسانية وتجعله يفهم الحياة، ويدرك سر جمالها، ويرغب في استدامة عمران الأرض، لأنه هو خليفة الجمال والقيم الرفيعة الخالدة.. وهو بذلك سيتفوق دائماً على الآلة، ويتقدم عليها، لأنها لا تحمل روح الشغف تجاه الجمال، وبالتالي لا يمكن لها أن تناجيه وتتماهى معه.. كان هذا رأي أرنولد في القرن التاسع عشر، لكن السؤال الآن هو: هل توقف دور الآلة هناك؟ وهل ظلت العلاقة بين الآلة وتذوق الجمال مستحيلة؟ يبدو أن مفهوم أرنولد لن يصمد طويلاً أمام سرعة التكنولوجيا وتطور أدواتها المدهش هذه الأيام.