مضى الصيف، بحرارته وحرائقه وبحره، وعادت الحياة إلى نظامها المعتاد.

كان صيفًا جميلاً. ومن أجمل لحظاته، صدور رواية «الغجر يحبون أيضًا».. منذ اللحظة الأولى احتواها الجمهور بمحبةٍ كبيرة، على الرغم من قيظ الصيف وطبيعة العطلة. وكان الإعلام يومها في الموعد، أيضًا.

لمواعيد وهران دومًا طعم خاص. وهو يجعلها محبوبة عند كل ما أصيب بها. بها شيء لا يوجد في بقية المدن الجزائرية الأخرى.. ماذا يمكن لكاتب امتلأ بذلك اليوم أن يقول لوهران وقرائها الكثيرين؟.. كلمة شكرًا من القلب لا تكفي، لكنها أعز وأصدق ما نملك.

لم أكن المندهش الوحيد من كرم المدينة الثقافي، فقد كان كذلك: «خوسي أورانو، أنجلينا أموندين، خمنيث، غارسيا، هيلينا، نور، مادري، وإزميرالدا»، وغيرهم من شخصيات الرواية، أكثر فرحًا مني. بل شعروا وكأنهم يستعيدون شيئًا كادوا يفقدونه، مدينتهم التي وُلدوا فيها وتربّوا في سواحلها وهواء بحرها الناعم، وجبالها، ومساجدها وكنائسها.

وكان الموعد جميلًا، واللقاء استثنائيًا، لم أتصور قوته وجماله حتى في الحلم، أنا الذي قضى العمر يدور بين العواصم العربية والأجنبية، ينسج أجمل العلاقات مع قراء لم يكونوا إلا افتراضات هلامية ولغة هاربة، قبل أن يتحوَّلوا إلى حقيقةٍ ملموسة، وأتحسس عن قرب القوة الإيجابية التي تنحتها رواية أو روايات في قلوب القراء. في الجلستين كان هذا الجمهور حاضرًا، جزء كبير منه كان من عائلتي وأهلي هناك، وأصدقائي الذين لم أرهم منذ عشرات السنين، من الإعلاميين، والطلبة، والجزء الأكبر كان من قرَّاء لم تلاقيني بهم إلا صدفة الحروف. الكثير منهم جاء من الولايات المجاورة متحملًا عناء السفر فقط، ليكون له سبق القراءة، بقي واقفًا من العاشرة صباحًا حتى الثانية بعد الزوال للحصول على نسخته موقَّعة. للأسف بعضهم لم يحصل عليها، لنفاد النسخ المخصصة لفوروم الجمهورية. لكن ما يُريحني هو أن الرواية خطت طريقها.

في العالم المتطور أية رواية لكاتبٍ معروف، هي حدث، لأن الأمر عندما يخلو من هذه الخاصية يفقد مشروعيته، فتولد الرواية مشلولة.

في العالم العربي ما يزال ذلك غير مستساغ. القيمة الإعلامية ليست رفاهًا بالنسبة للكتابة، ولكنها ضرورة ملازمة للعملية الإبداعية.

جلسة فوروم الجمهورية أو المنتدى، كانت واحدة من اللحظات التي جعلت من عنوان لرواية شيئًا حقيقيًا وملموسًا.

في الجلسة المسائية، في ساحة الثيران أو كوريدا وهران كما تُسمَّى، كان اللقاء مع المكان ومع الرواية، بطعم التاريخ والحياة الأخرى التي ردمها الجهل والإهمال تحت الأرض. فقد شم الحاضرون رائحة المكان، وشعروا بهزَّات مصارعة الثيران وصراخ المئة ألف الذين يصطفون في المدرجات لمشاهدة المنازلة بين الثور والمتادور. نظم أصدقاء وهران والمسرح الوطني جولة جميلة في دهاليز الحلبات والمدرجات العالية التي رممت. اندهش الحاضرون من المعلم الذي يفتح لأول مرة أمام الجمهور بعد استعادته ثقافيًا. تخيّلوا ملعبًا يستوعب أكثر من عشرة آلاف مُحب لهذه الرياضة يتم نسيانه في المدينة عبر عقود متتالية، لم يعد للكوريدا مكان في الحياة الوهرانية، لكنها يمكن أن تتحول اليوم إلى مكانٍ للحفلات الموسيقية، للعروض المسرحية التراجيدية الكبيرة، والرياضات المختلفة. حلبات مصارعة الثيران، معلم وهراني ثقافي وتاريخي عظيم، يمكنه أن يخدم اليوم الثقافة ويعطي لوهران حياة جديدة. كم أن المبادرات الصغيرة تستطيع أن تهزم أثقال الرماد الذي ينام منذ عشرات السنين على ذاكرة المكان: كوريدا وهران. للرواية فضل في هذه اللحظة التاريخية الاستثنائية لأنها جعلت الناس يُصدِّقون أن المكان الذي اختارته الرواية مسرحًا لأحداثها، حقيقي. لقد شاهد الجمهور مكانًا عظيمًا، ظل مغلقًا زمنًا طويلًا إلى يوم مرَّت من هناك رواية بكل غجرها وضحكاتهم التي لا تموت، ورقصهم وموسيقاهم الصاخبة.