خلال يوميْن فقط اخترق مسماران صَدِئان اثنيْن من إطارات سيّارتي الجديدة، وجعلا كمبيوتر السيّارة يُعلِن النفير العام، ويُظْهِر على شاشته إشارة تحذيرية بأنّ هناك مشكلة في الإطارات، وجعلاني أهْلَعُ وأهْرَعُ لأقرب محلّ «بنشر» يُديرُه كالعادة وافدون من إخوتنا اليمنيين الذين يحتكرون مهنة «البنشري» عندنا بنسبة ١٠١٪، وذلك قبل أن يفرغ الإطاران من الهواء فأضطرّ لإيقاف سيّارتي على جانب الطريق مُستعينًا وطالِبًا للمعونة من المارّة، فأنا لا أُجِيد تغيير الإطارات، وعمومًا لا أفقه في السيّارات شيئًا سوى سياقتها الميمونة!.

وفي الحقيقة المُرّة، نعم، في الحقيقة المُرّة، (تِسْعَطَعْشَر مرّة)، تمتلئ شوارع جدّة، خصوصًا الفرعية والقريبة من مواقع البناء، بالمسامير المُستخدمة لتربيط ألواح الخشب قبل صبّ الخرسانة في قوالبها، وهذا النوع من المسامير مُلوّث بما يلتصق به من أوساخ ومواد كيميائية، وهو كذلك فتّاك بأقوى أنواع الخشب، فما بالكم بالإطارات المصنوعة من القار المطّاط؟ إنّها تخترقه بسهولة كما تخترق حقنة الإبرة الطبية جسد الإنسان!.

وبالمناسبة، وطالما ذَكَرْتُ الإنسان، أترحّم على أحد الزملاء ممّن كان سُكّريًا واخترق إحدى قدميْه مسمار من هذه المسامير خلال إشرافه على بناء بيته، فأصيبت بالغرغرينا وبُتِرَت من مفصل الرُكْبة، ثمّ ما لبث المسكين إلّا ومات!.

وكما يُهمِل الكثير من سُكّان جدّة، ويُلْقُون بنفاياتهم في الشوارع، من بيوتهم ومن نوافذ سيّاراتهم، لتُنظّفها شركات النظافة في الصباح، وهم يُوسّخونها في المساء، كذلك يُهمِل المقاولون وعُمّال البناء، ولا يحرصون على تنظيف مواقع البناء وما حولها من المسامير المخلوعة أو المعوجّة، ويقذفون بها للشوارع فتتحوّل لألغام تضرّ الإنسان والسيّارات، ورحم الله فنّاننا القدير طلال مدّاح الذي أقْتَبِسُ منه كلمات أغنيته الشهيرة «مقادير»، وأُعِيدُ نشرها هنا مع بعض التصرّف، فأقول على لسان الإنسان وإطارات السيّارات:

مسامير.. يا قلبي العنا..

مسامير.. وِشْ ذنبي أنا؟!

وأمانة جدّة، وبلدياتها الفرعية، لم تتعامل بحزم مع السُكّان الذين يُوسِّخُون الشوارع، وكذلك لم تتعامل بحزم مع المقاولين غير المُبالِين بسلامة الإنسان والسيّارات، رغم أنّ هناك قوانين يُعاقبُ مخالفوها إن لم يلتزموا بها، وخدشوا الذوق والسلامة العامة!.

وكلّ من يخترق جسدَه أو إطاراتِ سيّارته مسمارٌ، فإنّ الأمانة تتحمّل جزءً من وِزْرِه، وليس فقط المقاولون وعُمّالهم الذين أمِنُوا العقاب فأساؤوا الأدب!.

اللهم سلِّم أهل جدّة وسُيّاحها وسيّاراتهم من المسامير وأشباهها الخطيرة!.

آمين، آمين!.