قَدَرُ (تِهامة الجبل) أن تقع بين سهلٍ ساحلي مفتوح على البحر ليَستخرج السهلُ ما في أعماق البحر من كنوز ويستقبل ما يحمله فوق مياهه من خيرات العالم، وجبالٍ عالية تحتضن قممُها خضرة ناضرة وتحظى بأجواء لطيفة تُغري بالاكتشاف وتهتدي إليها الخدمات. تهامة بعمومها يُسقطها أكثر الجغرافيين على الجزء الواقع من ينبع شمالاً -وهناك من يذهب أبعد من ذلك- ثم الاتجاه جنوبًا ما بين جبال السروات (الحجاز) من الشرق، والبحر الأحمر من الغرب حتى خليج عدن جنوب اليمن، وهنا ينبغي التنويه على أن هناك خلطًا جغرافيًّا حين يسمي البعضُ هذا الجزءَ المنخفض -مع جبال السروات- بـ(الحجاز) في حين يُطلق الحجاز على سلسلة جبال السروات العالية بوصفها حاجزًا بين تهامة ونجد، ولذلك يسمي ساكنو تهامة ساكني جبال السروات (الحَجَازِيَة أو الحَزَازِيَة) نسبة للحجاز، ويسمي ساكنو السروات ساكني تهامة (التِّهْمَان) نسبة لتهامة، وهذا شاهد ناصع على خطأ التسمية.

تهامة نفسها على شطرَين: الشطر الشرقي وهو الذي ذكرتُه في مطلع المقال وهو المحصور بين الحجاز من الشرق حتى بداية السهل الساحلي من الغرب، وهذا الشطر جباله أغلبها مفردة ومتوسطة الارتفاع وقلة قليلة منها تتاخم في الارتفاع جبال الحجاز، وهذا الشطر يمكن تسميته (تهامة الجبل). الشطر الآخر يمثله الشريط الساحلي السهلي المحصور بين (تهامة الجبل) شرقًا والبحر غربًا ويمكن تسميته (تهامة الساحل).

حديثي هنا عن تهامة الجبل وتحديدًا من جنوب مدينة مكة المكرمة حتى حدود اليمن؛ فبامتداد تهامة الجبل من الشمال إلى الجنوب توجد عدة مدن وبلدات، ومن أشهرها (يلملم، بني يزيد، ربوع العين، أضم، الجائزة، الحجرة، قلوة، المخواة، نمرة، المعقَّص، شمران، ثريبان، المجاردة، بارق، محايل، قَنا، خميس البحر، الشعبين، رجال، الفرشة، فيفا، الداير..)، وعذرًا إن سقطت مني بعض المدن والبلدات أو أدرجتُ ما ليس من تهامة الجبل. تركيزي هنا على هذا الشطر (تهامة الجبل) لأنه ظل بعيدًا عن الخدمات والأضواء؛ فلا هو في تهامة الساحل فيسهل الوصول إليه، ولا هو في الحجاز فيغري بالبقاء فيه، ولذا تجده الأقلَّ نهضة وتطورًا في مجالات التنمية كافة، وهو عكس الحجاز وتهامة الساحل اللتين تركزت فيهما المؤسسات الحكومية كإمارات المناطق، والشركات، والجامعات،

وتبِع ذلك أن تم تكثيف الخدمات في هذين الشطرين، وهو ما لم يحظَ بمثله شطر تهامة الجبل، وخير مثال على ذلك أن معظم مدن تهامة الساحل والحجاز تشرب المياه المحلاة وهو ما لم تحظَ به معظم مدن تهامة الجبل، نعم حظيتْ تهامة الجبل بكمٍّ طيب من الخدمات لكنها جاءت متأخرة وليست بمستوى ما في ذينك الشطرَين.

الأمر الذي لا يمكن إغفاله هو أن الجهات المعنية التفتت أخيرًا إلى تهامة الجبل، لكنها التفاتة خجولة، وبدأ هذا الشطر يأخذ بعض حقه من التنمية بعد فترة ليست بالقصيرة من النسيان. والأمر الأهم هو أن شطر (الحجاز) يكون موسمه في فصل الصيف، والشطر الساحلي (تهامة الساحل) يكون موسمه في فصل الشتاء، في المقابل يكون موسم شطر (تهامة الجبل) في أواخر الخريف وفي فصل الشتاء وفي مطالع فصل الربيع، ولذا تغدو مطلبًا للسواح والمتنزهِين، حيث يتكرر هطول الأمطار بغزارة، وتجري الوديان، وتمتلئ السدود، ويعتدل الجو، وتصبح الأرض بساطًا أخضر، ويبسط الربيع رداءه عليها، إضافة للآثار الماثلة، والمواقع التاريخية الشاهدة، والمأكولات المتنوعة، والفنون الأصيلة.

من هنا فإن مواسم تهامة الجبل ينبغي أن تُستغل أفضل استغلال؛ وذلك بتوفير الخدمات الضرورية كالحدائق والمتنزهات والمطلات واستغلال بحيرات السدود، مع تسليط الأضواء عليها وعلى إمكاناتها البشرية والطبيعية. مواسم تهامة الجبل تشكل فرصًا استثمارية جيدة، ولذا ينبغي أن تأخذ الجهات المعنية هذا في حسبانها، وهذا -حتمًا- لن يتأتى ما لم يؤسَّس للبنية التحتية وتوفَّر الخدمات الضرورية كافة.