استخرجنا تأشيرات الدخول إلى بلجيكا وقطعنا المانش من لندن عبر مضيق دوفر، لتجربة أو تذوق «أكلة سمك» في محل بلجيكي يقال إنه الأشهر على مستوى العالم. والواقع إنني لست من هواة أو محترفي الأكلات العالمية، ولا يستهويني ذلك، بقدر ما يستهويني رغيف «بتاو مقمر» وطبق بيض بسمنة على راس الغيط!، مع ذلك فقد رضخت للمهمة، ولبَّيتُ دعوة رؤسائي في ذلك الوقت: د. صلاح قبضايا وفوزية سلامة - رحمهما الله- وعماد الدين أديب ود. هالة سرحان!، وحين جلست مع د. صلاح قبضايا صباح اليوم التالي على مقهى في بروكسل سألني عن رأيي في السمك فأقسمت له أن سمك البحر الأعمى أطعم منه! والواقع أن شغفي بالبحر الفرعوني الحاضن لنحو 50 قرية مصرية منها: لبيشة وهيت وتلوانة وكفر فيشا والخضرة، بدأ من الصغر حيث المحايلات لأخي الأكبر وابن عمي ليأخذاني معهما في رحلة صيد، فإن فشلت المحايلات بدأت التهديدات لهما بإبلاغ عمي بأنهما لا يريدان اصطحابي خوفاً من الإبلاغ عن شربهما للسجائر!

لقد كان الحل الوحيد لشرب الشباب سيجارة «باعتبار ذلك فعلاً شائناً» هو الاختفاء عن القرية كلها وشربها عند البحر الأعمي الذي كان يمثل لنا عالماً غامضاً ومجهولاً حيث تركب له أو فيه الأهوال، وحيث لا يجيد التعامل معه سوى أناس من عينة الديب الرماح!

الأكثر عجباً ودهشة أنني في المرة السابقة لزيارتي لسويسرا، وحين كنت أقف بسيارتي أمام البحر الأعمى، كان كل ما حوله من جمال قد توارى، بل إن موجاته بدأت تخمد وتنداح، ومن ثم فقد بدا لي أن ما في قلبي من عشق هدأ تماماً حد الارتياح!.

ثم كان ما كان ودعتني إحدى أكبر شركات الاتصال في السعودية والشرق الأوسط لتغطية المؤتمر الدولي للاتصالات في العاصمة السويسرية جنيف! وبلغ من حفاوة الشركة بحضوري تخصيص مكان لي في طاولة حفل الاستقبال التي يجلس عليها أمين عام الأمم المتحدة ورؤساء كبريات شركات الاتصال في العالم.

انتهت جلسات المؤتمر خلال يومين، وفي المساء وإمعاناً في تكريمي اتفق رؤساء أربع شركات خليجية على اصطحابي معهم الى قرية فرنسية على الحدود مع سويسرا لتناول نوع معين من السمك لا يباع ولا يتم طهيه إلا هناك .. وذهبنا!.

قطعنا المسافة بالسيارة الجيب في نحو ٣ ساعات وعدنا بعد الغداء في نفس المدة تقريباً.. وفي الصباح سألني صديقي عن رأيي في السمك فأقسمت له أن طعم السمك الخارج من البحر الأعمى أفضل منه!

في مساء اليوم السابق للمغادرة ورغم إغراء الدعوة للعشاء في محل سويسري فاخر رفضت بإصرار، وآثرت العشاء وحدي في مطعم الفندق الواقع في قلب بحيرة جنيف والذي يتم الوصول اليه عبر سرداب.

إن بحيرة جنيف هي أحدى أكبر البحيرات الأوروبية. وتقع 60٪ من مساحتها في الحدود السويسرية ضمن كانتون فود وكانتون فاليز وكانتون جنيف. و 40٪ في الحدود الفرنسية ضمن إقليم سافوا العليا. وتبلغ مساحتها الكلية 528 كيلومتراً مربعاً منها 348 كيلو متراً مربعاً في سويسرا و 234 كيلو متراً مربعاً في فرنسا، و يقدر حجمها بـ89 مليار متر مكعب. وتعود تسمية البحيرة إلى العهد الروماني! أما البحر الفرعوني فهو عبارة عن بحيرة مغلقة و له مخرج واحد عبارة عن مصرف كبير لتوصيل المياه للبحر المتوسط! ومن ثم فلا مجال للمقارنة شكلاً وموضوعاً!

جاء النادل مقدماً قائمة بكافة المأكولات البحرية، وخوفاً من تأثير البحر الأعمى على مستوى الإحساس بطعم الأكل، فقد طلبت قطعة من «صدر البط المندى في العسل» حسب ما هو مسجل في القائمة. وحين كانت الفتاة السويسرية تقدم الوجبة المطلوبة وتشرح لي كيف تم اصطياد هذا البط من نهايات بحيرة جنيف، قفز للذاكرة وحط أمامي وفي فمي طعم البط العراقي الذي كان يصطاده المهندس حسن وشقيقه الدكتور خالد من البحر الأعمى!

لقد ثبت لي بعد تجارب عديدة، أن الأشياء تأخذ طعمها من قلب صانعها، فرغيف البتاو معجون بالحب والكدح الجميل، وبقلاوة الصباح تخلطها الأم بحليب الرضا، وطبق الفول تفوح منه رائحة الصبر والأمل، والفطير المشلتت علامة الفرح والانتصار، وخيوط الشعرية ملفوفة بالبهجة والانصهار! إنه طعم الاحساس بالجمال!

يقول الفيلسوف ديكارت: ما هو الجمال؟ هذا ما لن يعرف أحد عنه شيئاً.. إنه يتغير بتغير الأذواق!

أما لينتز فيرى أن الجمال في الانسجام، ويعود إليه فضل إحياء تصورات الحياة! يا الله! فالعالم إذن ليس إلا صورة من إدراكنا، وليست روعة ذلك الانسجام الكوني سوى انعكاس للانسجام الداخلي فينا.. فالانسجام الكوني يمتد منا الى الأشياء، ومنها إلينا.. وأقول لكم في النهاية: إنه الرضا!.