معذور، كل من يحاول فهم المشهد في سوريا، فالأتراك يغزون الشمال السوري، بعد حملة اتصالات قادها الرئيس التركي أردوغان، وحصل بموجبها على أوسع عملية غض طرف من نظرائه الأمريكي ترامب، والروسي بوتين، والإيراني روحاني، وحتى السوري بشار الأسد.. جميعهم لاذوا بالصمت، أو أشاحوا بنظرهم الى جهة أخرى لا يَرَوْن منها مشهد الاجتياح التركي.

لماذا أشاح الجميع بوجوههم بعيداً عن مشهد الاجتياح التركي لسوريا؟!..

الجميع يستفيدون من حرب أردوغان في شمال سوريا، فالروس يستفيدون بانسحاب الأمريكيين من مناطق شرق الفرات، والإيرانيون يستفيدون من إجهاض أي حلم لقيام كيان كردي مستقل، وبشار الأسد يستفيد بانطلاق قواته للسيطرة على مناطق في الشمال والشمال الشرقي، كان الأكراد يعدونها بمساعدة الولايات المتحدة لتكون نواة لوطن قومي كردي، أما الأمريكيون، فإنهم ينسحبون من مناطق ظلت إدارة الرئيس ترامب تعتبرها عبئاً على الولايات المتحدة، التي تتطلع بحسب قول ترامب إلى التخفف من أعباء منطقة الشرق الأوسط، بل ولا تمانع في أن تحل روسيا فيها محل الولايات المتحدة، وقد كان المشهد موحياً قبل أيام، إذ تُخلي القوات الأمريكية ثلاث قواعد عسكرية صغيرة في منبج، لتدخلها قوات روسية تشرف على تسليمها لقوات بشار الأسد!!.. بينما يكرر الرئيس ترامب أنه لا يرى ضيراً في انتشار القوات الروسية أو الجيش السوري، في مناطق تغادرها القوات الأمريكية.

فلاديمير بوتين وبشار الأسد، وحتى المرشد علي خامنئي، كلهم استفاد من حرب أردوغان في سوريا.

على المستوى الإستراتيجي، تريد روسيا تعميق جراح الناتو، وحفز أردوغان على إبداء المزيد من التمرد على التحالف الأطلسي، وتريد أيضاً إضعاف التزام دول الناتو تجاه أنقرة صاحبة ثاني أكبر جيش داخل التحالف الأطلسي.. يحتار شركاء أنقرة الأوروبيون داخل الناتو بين مبادىء حقوقية وسياسية، تلتزم بها الديموقراطيات الغربية أمام شعوبها، وبين مصالح ربما تقتضي التجاوز أو غض الطرف عن جرائم أو خطايا يرتكبها أردوغان، سواء بحق الجوار الإقليمي في سوريا والعراق، أو بحق الأكراد في تركيا ذاتها، ويستثمر فلاديمير بوتين حيرة شركاء أنقرة في الناتو، كإحدى أدواته لإضعاف أو تفكيك الناتو كعقيدة دفاعية أو كآلية عمل عسكري مشترك.

على المستوى الإستراتيجي أيضاً، تبدو الولايات المتحدة، في حالة انسحاب إمبراطوري، بدأت ببطء وعلى استحياء، بعدما تأكدت واشنطن من استحالة الاستفراد بزعامة النظام الدولي خلال القرن الحالي، فراحت تهيىء المسرح الدولي لعملية هبوط آمن من فضائها الإمبراطوري، فضلت أن يكون الباسيفيكي ساحته، تحسباً لصعود بدا حتمياً للقوة العظمى الصينية.

على المستوى الإستراتيجي كذلك، تبدو تركيا، التي تستدعي السلطان محمد الفاتح، لتدشين طور توسعي جديد للعثمانيين الجدد، فيطلق رئيسها أردوغان على جنوده مسمى (المحمديين)، وكأنما بلغت طور استعادة مجد الأجداد، بينما تبدو إيران، وقد بلغت طور تكريس التمدد الإمبراطوري الساساني على محيطها الاقليمي.

بانتشار قوات الجيش السوري في مناطق الشمال والشمال الشرقي، التي يسيطر عليها الأكراد (قوات سوريا الديموقراطية) يربح بشار الأسد حيث يرفع راياته فوق أبراج المراقبة عند النقاط الحدودية مع تركيا، وتربح تركيا، حيث تنهي وجود الأكراد قرب حدودها عند مراكز كثافة سكانية لأكراد تركيا، وتربح إيران، حيث يجري إجهاض أي أمل للأكراد في إقامة دولة لهم كان مجرد قيامها كافياً لتهديد وحدة إيران الإقليمية، ويربح الروس بخروج الأمريكيين من المنطقة، وبانفراد روسيا بالدور المهيمن على تفاعلاتها، وبتقويض وحدة الناتو انطلاقاً من تركيا، أما دونالد ترامب، فيربح تكريس رؤيته بخفض التزامات بلاده تجاه مناطق تستنزف أموالاً، دون أن تدر عليها أرباحاً فورية مباشرة، كما يتوقع المطور العقاري دونالد ترامب طول الوقت.

سوريا مازالت هي المختبر الذي يشهد تجارب إعادة رسم خرائط الدول وأدوارها في الشرق الأوسط، بينما يعكف الكبار على رسم خارطة نظام دولي جديد متعدد الأقطاب.

بعد ويستفاليا في ١٦٤٨، وفرساي في ١٩١٩، ويالطا في ١٩٤٥، ربما تكون دمشق أو حلب او إدلب هي عاصمة رسم الخرائط والأدوار، في النظام الدولي المقبل. مخاض النظام الدولي الجديد، يبدو في اللحظة الراهنة، شرق أوسطياً بامتياز، القابلة روسية، والولادة طبيعية، والمولود يحمل جينات ألف أب وألف أم.