قد يُبرِّر لنا الشيطان، والنفس الأمَّارة، الانغماس في مُتعِ الحياة الدّنيا من باب (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا).

إلّا أنّ قول الله تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ، وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)، فيه توجيهٌ وتنبيه. التوجيه: بأنّ نُسخِّر ما لدينا (وقد نقول تجاوزاً: ما نَملك) للدار الآخرة، أي للوصول إليها بنجاح، والتنبيه: بأن لا نغفل عن نصيبنا من الدنيا. ولاحظ أن الآية وصفت الآخرة بـ»الدار»، حيث أنّ بها القرار والإقامة، بينما اقتصر على ذكر الدُنيا دون وصفها بالحياة، حيث إن الوجود بها محدود (والدُنيا عكس العُليا).

لكن، هل نحن فعلاً نجعل الأولوية في أعمالنا للدار الآخرة أم للدنيا؟!

ففي حين تُذكّرنا الآية بأن لا ننسى نصيبنا من الدُنيا، فمَن مِنّا قد «ينسى» نصيبه من الدُنيا؟.

ومَن مِنّا جعل الأولوية في تسخير ما لديه للدار الآخرة، أو على الأقل لم «ينسَ» الدار الآخرة فيما لديه من علمٍ ومالٍ ووقت... إلخ؟.

وباعتبار حالنا وتقصيرنا، فهل يكون محظوظاً وموفّقاً منّا مَن يَعمل للدُنيا ولا «ينسى» نصيبه من الآخرة؟.

ممّا ورد في خواطر الشعراوي -رحمه الله تعالى- حول (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا): أنّك حِين تُحب نعيم الدنيا وتحتضنه وتتشبّث به، فاعلم أن دُنياك لن تُمهلك، فإمّا أن تفوت هذا النعيمَ بالموت، أو يفوتك هو حين تفتقر. لذلك فإن كُنت عاشقاً ومُحباً للمال، مثلاً، ولبقائه في حَوْزتك، فانقله إلى الدارِ الباقية، ليظلّ في حضنك دائماً نعيماً باقياً لا يُفارقك، فسارع إذن واجعله يَسبقك إلى الآخرة. وحيث إنّ نصيبك من الشيء ما يَنالك منه، لا عن مفارقة، وإنّما عن ملازمة ودوام، لذلك فإنَّ نصيبك من الدنيا هو الحسنة التي تبقى لك وتظل معك، وتصحبك بعد الدنيا إلى الآخرة. فكأن نصيبك من الدنيا يصُبُّ في نصيبك من الآخرة، فتخدم دنياك آخرتك.

لذلك عندما سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- عن الشاة التي أُهديَتْ له وقالت بعد أن تصدّقت منها: يا رسولَ اللهِ، ما بَقِيَ إلَّا كَتِفُها، قال عليه الصلاة والسلام: (كُلُّها قد بَقِيَ إلَّا كَتِفَها). وفي حديثٍ آخر عنه -صلى الله عليه وسلم-: (يَقُولُ ابنُ آدَم: مَالي! مَالي! وَهَل لَكَ يَا ابْنَ آدمَ مِنْ مالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَو لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟!).

وبهذا الوعي فإنّ أهل الفهم والعارفين حين يَدخل على أحدهم سائلٌ يسأله صدقةً، يقول له: مرحباً بمَنْ جاء يَحمِل زادي إلى الآخرة بغير أجرة.

وحين نتأمل (وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا)، نفهم أنّ العاقل كان يجب عليه أن ينظر إلى الدنيا على أنّها لا تستحق الاهتمام، لكنّ ربه لفته إليها ليأخذ بشيء منها حسبما تقتضيه حركة حياته. فالمعنى: كان ينبغي علىَّ أن أنساها فذكِّرني الله بها.

والخلاصة: فإنّ المؤمن يعيش مُطمئناً في جميع حالاته ويعمل بتناغمٍ دون تناقضٍ أو تنازعٍ لإنجاز مهامه الدنيوية (العائليّة والمجتمعيّة والعمليّة... إلخ) في سبيلِ تحقيق أهدافه الأخروية. وتُرشدنا هذه الآية الكريمة إلى الأولوية في تسخير ما أوتينا (وتجاوزاً نقول ما نَملك) من صحةٍ ومالٍ ووقتٍ وعلمٍ وجاهٍ... إلخ، للوصول إلى الدار الآخرة (دار البقاء والخلود)، فلا ينبغي أن تكون البوصلة المُوجِّهة لشُغل القلب والقَالب هي المنافع الدنيوية، وإنّما يجب أن يكون المُبتغى هو فلاح وصلاح دار الإقامة الدائمة (الدار الآخرة). وذلك يستوجب مراجعةً دائمةً وتجديداً مستمراً للنيّة في كل أعمالنا وتعاملاتنا، والله عز وجل هو المُعين... عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ.