فيما تواصل المملكة مساعيها الجادة لتحديث وتطوير مجتمعها على كافة الأصعدة، اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً، فإنها في ذات الوقت تبدي حرصاً شديداً على التمسك بثوابتها وتقاليد مجتمعها الراسخة وعاداتها الضاربة بجذورها في القدم، إيماناً بأن من لا يتمسك بتاريخه ويعتز بماضيه سيكون مصيره الذوبان في ثقافات الآخرين، وأن من لا يتمتع بماضٍ عريق لا يمكنه إيجاد حاضر مقنع أو مستقبل مشرق، وأن التطلع نحو مراقي العلم والحضارة والمدنية لا يعني بأي حال من الأحوال الانسلاخ من الجذور والتنكر للتاريخ. ولتحقيق هذه الغايات ابتكرت القيادة السعودية وصفة مدهشة تثير الإعجاب تقوم على المزاوجة بين العراقة والمعاصرة، والأخذ بأسباب التطور مع استصحاب قيم المجتمع وثوابته، وأن تظل ثقافة الموروث بكل تنوعاته هي الأصل والقاعدة للانطلاق نحو التطور والتحديث، لذلك أخذ ملوك وقادة هذه البلاد على عاتقهم مهمة الحفاظ على الهوية الإسلامية والعربية والخليجية، وربط الحاضر المشرق لهذه الأمة بماضيها العريق.

لتنفيذ تلك الوصفة تنتظم في كافة أنحاء المملكة العديد من الأنشطة الثقافية والأدبية والعلمية، مثل المهرجان الوطني للثقافة والتراث «الجنادرية»، الذي بات يتمتع بسمعة دولية، ويؤمه الزوار من كافة دول العالم. ومهرجان سوق عكاظ الذي يعرض تاريخ وثقافة الإنسان السعودي منذ عهد الجاهلية، وكذلك مهرجان شتاء طنطورة في محافظة العلا التي أدهشت أنظار العالم بما تضمه من آثار فريدة. كما تنتظم جهود دولية للعناية بالتراث، وترميم المناطق الأثرية وفتحها أمام الزوار. وتقام في ذات الوقت الليالي الفنية والثقافية، وتنظم معارض الكتب الدولية في العديد من المدن، إضافة إلى الأنشطة التي يصعب حصرها في مثل هذه المساحة. وهذا الحراك الثقافي والتراثي أصبح سمة تؤكد أن المملكة تعكس حضارتها للعالم بوسائل حضارية، وتكشف عن إسهامها الثقافي والإنساني الفريد.

وإن كان العالم قد أبدى إعجابه بالجهود المضنية التي يبذلها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، على ضوء رؤية المملكة 2030، التي تركز على تطوير الاقتصاد السعودي، والانتقال به إلى مرحلة اقتصاد المعرفة، وتطوير مهارات وقدرات الشباب السعودي بالعلم والمعرفة، لأن تحقيق الازدهار والتطور لن يكون له معنى إذا لم تكن هناك سواعد وطنية شابة تمتلك القدرة على استمراره وديمومته، فإنه أبدى انبهاره في ذات الوقت بذلك الحراك الثقافي الذي ينتظم بلادنا، فتسابق الفنانون والأدباء والشعراء من كل حدب وصوب على المشاركة في تلك الفعاليات والإسهام فيها، والتعرف على رصيدنا الحضاري والثقافي، والاطلاع على ما تضمه من آثار متفردة.

وإضافة للفوائد العديدة لتلك الأنشطة والفعاليات مثل تعريف العالم بالمكاسب والتطورات التي شهدتها بلادنا في زمن وجيز، والخطوات التنموية الهائلة التي قطعتها، وتعريف العالم بالمجتمع السعودي الذي يتقبل الآخر ويتعايش معه، فإن لها مكاسب اقتصادية هائلة تتمثل في الترويج للفرص الاستثمارية في المملكة، وما تتمتع به من بنية تحتية متكاملة ومنظومة قوانين تكفل للمستثمرين الأجانب حقوقهم وتضمن أموالهم، وما تحظى به من نعمة الأمن والأمان وسيادة حكم القانون، إضافة إلى استقطاب السياح من مختلف دول العالم، وهذه مكاسب لا يمكن أن تتحقق ولو أنفقت في سبيلها الأموال الطائلة لدى شركات الدعاية والعلاقات العامة.

كثيرون وصفوا النظام العالمي الجديد القائم على العولمة بقطار يمضي بخطى ثابتة، تعرض فيه جميع دول العالم ما تملكه من تراث وما تتمتع به من حضارة، لا مجال أمام أحد للانكفاء على ذاته والتقوقع، وإلا سيجد نفسه طي النسيان وأسير العزلة. ونحن لا نخشى المشاركة في هذا المحفل، لأن بلادنا بقدر ما هي دولة غنية بالنفط، تؤثر في اقتصاد العالم، فإنها أيضاً مهد الحضارة وأرض الرسالة، ولنا من الرصيد الثقافي والإسهام الحضاري ما نستطيع أن نباهي به العالم ونرفع رؤوسنا شامخة، كما كانت منذ الأزل.