أواصل الحديث عن تجاهل مُعدّي مناهجنا الدراسية لأسباب بروز ظاهرة الإلحاد لدى بعض شبابنا، غاضين البصر عن المنافذ التي حوتها مناهجنا الدراسية التي يستغلها مخططو الإلحاد لدفع بعض أولادنا إليه، فمن أسباب وجود هذه الظاهرة، الصورة الخاطئة التي أعطتها المناهج لمُتلقِّيها عن علاقة المسلمين بأصحاب الديانات الأخرى، بالقول بنسخ أحكام آيات الحرية الدينية، كقوله تعالى: (لا إكراه في الدين)، (لكم دينكم ولي دين)، والاستدلال بأحاديث، رغم مخالفتها لكثير من آيات القرآن الكريم كحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلّا بحق الإسلام وحسابهم على الله»، فهذا الحديث يُخالف القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)، (إنّك لا تهدي من أحببت).

فهذه الصورة الخاطئة التي حوتها مناهجنا الدراسية عن موقف الإسلام من غير المسلمين بفرضه قتالهم حتى يُسلموا، مُعزّزة مقولة المستشرقين: إنّ الإسلام قد انتشر بحدِّ السيف، كانت أيضًا من المنافذ التي نفذ منها مخططو الإلحاد لدفع بعض أولادنا إلى الإلحاد.. ومن المنافذ التي حوتها مناهجنا الدراسية أيضاً، تحريم المباحات من متطلبات النفس البشرية، من الترويح عنها، كتحريم الموسيقى والغناء، والاستدلال بحديث من مُعلّقات البخاري، و(المُعلَّق) هو ما حذف أول سنده، سواء أكان المحذوف واحدًا أم أكثر على التوالي، ولو إلى آخر السند، والأصل في الحديث المُعلَّق أنّه مردود، وذلك لجهالة المحذوف فيه، وفيه هشام بن عمّار (153- 245 هـ = 770- 859م) كان يبيع الحديث، وله مناكير، وقد قال عنه الإمام أحمد: «طياش خفيف»، أمّا الحديث، فهو: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف».

ودرس العوْل في الميراث، من المنافذ التي يستغلها مخططو الإلحاد للنفاذ إلى عقول بعض أولادنا بالقول لهم: كيف يُوزِّع الله حظوظ الميراث بنسب تفوق قدر الميراث، ويرقّع بما يُسمى بالعوْل، والعوْل لم يكن له وجود في العهد النبوي، ولا في عهد الصديق رضي الله عنه، ونُسب زورًا إلى الفاروق رضي الله عنه، بأنّه قضى في العول، والحالة التي ذُكرت في الرواية لا تحتاج إلى عوْل، ممّا يُؤكِّد عدم صحتها، وقد أثبتُّ عدم صحة مسائل العوْل الواردة في درس العوْل، فالذين أوجدوه أخطأوا في فهم آيات الميراث، وسبق أن بيّنتها في مقالي عن درس العوْل، والتي أُلخصها في الآتي: الخطأ في فهم آيتي الكلالة وعدم التفريق بين نوعيهما، وكذلك الخطأ في فهم قوله تعالى: (فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ)، ففهموها اثنتيْن وما فوق، وكذلك الخطأ في إعطاء الأم الثلث بدل السُدس في حال وجود إخوة وانعدام وجود أولاد (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ)، أدى إلى إيجاد العول الذي يدرس في جميع أنحاء العالم الإسلامي في علم الفرائض، واعتُمد بأخطائه في مدونات الأحوال الشخصية، وعادة درس العوْل في الميراث يُدرَّس للمختصين في الشريعة وأصول الدين، وليس لطلبة المرحلة الثانوية، وكذلك النسخ في القرآن يُدرَّس في كليات القرآن الكريم، وليس لطلبة المرحلة الثانوية، والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الهدف من تدريس دروس تُدرّس للمتخصصين في الدراسات القرآنية وفي الشريعة الإسلامية، في التعليم الثانوي، وهما أساسًا ليسا من صحيح الإسلام؟.

ويُلاحَظ أنّ مُعدِّي المنهج نقلوا موضوع درس ظاهرة الإلحاد من مرجعيْن، أحدهما ذكر أنّها ظهرت في المجتمع الغربي في القرون الثلاثة الأخيرة، وفي صفحةٍ أخرى من الدرس، قالوا إنّها ظهرت في المجتمع الغربي في القرنيْن الماضييْن، والسؤال هنا: ألا يوجد مراجعون ومدققون للمناهج الدراسية؟.

هذا، وقد اطلعتُ على الدروس التي تناولتها مقالاتي المذكورة في مناهج هذا العام 1441هـ/ 2019م فوجدتُها ذاتها دون أي تغيير!! هل هذا يعني أنّ وزارة التعليم بمسؤوليها ومُعدِّي مناهجها لم يقرأوا ولا مقالاً منها؟!.