اعتدنا في مواسم الانتقال بين الفصول أو تعاقبها، على فرز ما لم نعد بحاجة اليه من ملابس الشتاء أو الصيف، وتنحيتها جانباً، لتقديمها لذوي الحاجة، مباشرة، أو عبر جمعيات خيرية متخصصة، وخصصنا في جانب من البيت، سلة كبيرة، يودع فيها كل منا ما لم يعد بحاجة إليه، ثم نجري لاحقاً عملية فرز أخيرة لما بالسلة، نستعيد منها ما يتبين لنا استمرار حاجتنا له، ونضيف إليه ما قد نرى أنه لم يعد مناسباً لاحتياجاتنا.

كنا نسمي هذه السلة (حاجة التشحيت) أي تلك التي نقدمها لمن يشحتها، أو يسألنا الانتفاع بها، أو نقدر نحن احتياجه إليها، ومع الوقت أصبحنا ندلل هذه السلة، فأطلق عليها أبنائي اسم (سلة شحاتوف)

ثم استقر المسمى لدينا، فأصبح أحدهم يسأل: بابا.. أنا موش عاوز التيشيرت ده .. أحطه في شحاتوف؟!..فلا أجيبه قبل المعاينة، ثم أرد بالقول: لا بأس .. ضعه في شحاتوف!

نموذج (شحاتوف) هذا، تعرفه المجتمعات، كما تعرفه الدول، ويشهد التاريخ فيه على أطوار، تشبه أطوار الانتقال بين الفصول، أو تعاقبها، تتخلى خلالها دول عن مستعمرات أو عن مناطق نفوذ، باتت تنوء بحملها، لأسباب مادية، أو أيدولوجية ، أو أخلاقية، أو سياسية، أو حتى عسكرية أو إستراتيجية.

حدث هذا في الفلبين، حين قرر الأمريكيون الانسحاب من قاعدة كلارك الجوية في التسعينيات، فقد احتج السكان المحليون بالمناطق المحيطة بالقاعدة، بسبب تأثير الانسحاب الأمريكي على حياتهم اليومية، اذ اعتادوا التكسب من وراء سياحة الجنود الأمريكيين، وما ينفقونه في الحانات والمواخير. لكن الصين التقطت الفلبين من سلة (شحاتوف) الأمريكية، وسارعت الى تزويد مانيلا بأسلحة خفيفة وزوارق صغيرة وبعض الذخائر.

المشهد في الشرق الأوسط يبدو أكثر من مُلهم، وأعمق من كاشف، في سياق نفس النظرية (نظرية شحاتوف)، فبدون تفاهمات مكتوبة، أو حتى شفاهية، وبدون إيماءات، أو غمزات، أو نظرات، فإن ثمة توافقاً روسياً - أمريكياً، تتخفف بمقتضاه أمريكا مما يعتبره رئيسها دونالد ترامب أعباء ثقالاً، فيسارع بالتقاطها نظيره الروسي فلاديمير بوتين، في سعادة غامرة.

تبدو أمريكا في الشرق الأوسط كمن يتخلص من دولاب ملابسه القديمة، دفعة واحدة، مكتفياً بما فوق جسده من ثياب، وتبدو روسيا مثل من يتتبع أثر أمريكا فينتقي من (سلة شحاتوف) الخاصة بها، ما يتأنق به في حفلات السادة الكبار.

أبرز تجليات تلك الحالة، جرت في الشمال السوري قبل نحو أسبوعين، حين قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على نحو مفاجىء، سحب قواته (الرمزية) من مناطق شمال شرق سوريا التي أعلنت تركيا اعتزامها اجتياحها لإقامة ما زعم أردوغان أنه منطقة آمنة، بعمق يتراوح بين ثلاثين الى أربعين كيلومتراً داخل الأراضي السورية، بهدف منع أكراد سوريا الذين تتبناهم واشنطن، من إقامة كيان كردي فيه يتمتع بالحكم الذاتي، وكذلك بهدف نقل مليوني لاجىء سوري من تركيا الى مناطق الشريط الحدودي.

بانسحابه، وضع ترامب، الشمال السوري في (سلة شحاتوف) ليلتقطه فلاديمير بوتين بخفة ثعلب سيبيري جائع، فيسارع بنشر بعض عناصر الشرطة العسكرية الروسية، ثم ينظم عودة قوات بشار الأسد الى شمال سوريا، عبر اتفاق مع الأكراد الذين خانتهم واشنطن، فاستشعروا خذلان الحليف، فيما كانت ذئاب أردوغان تحدق بهم في أكثر من موضع.

على مدى ما يقرب من ثماني سنوات، ومنذ عهد باراك أوباما، استطاع فلاديمير بوتين أن يكون المستفيد الأول، من تردد أمريكي، أو حتى من حالة عزوف أو ملل إمبراطوري ، أودعت بعض مناطق السيطرة الأمريكية التقليدية في (سلة شحاتوف) لتلتقطها يد بوتين البارعة في خفة أتاحت لروسيا أن تصبح اللاعب الرئيسي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وزعزعت ثقة حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، بما فيهم إسرائيل، التي لم تجد بداً من أن تحذو حذو طهران وأنقرة بالتنسيق مع روسيا في سوريا، وفي سائر المنطقة.

على المستوى الإستراتيجي، يريد بوتين استقطاب تركيا خارج الناتو، توطئة لتفكيك التحالف الأطلسي، الذي يتطلع بوتين الى تمزيقه، مثلما مزق الأمريكيون حلف وارسو، قبل أقل من ثلاثين عاماً، وعلى المستوى الإستراتيجي أيضاً، يريد بوتين تفكيك الاتحاد الأوروبي الذي راح في نوبة جشع تاريخي، يحيط بروسيا كما يحيط السوار بالمعصم، وهو يرى الآن في خروج بريطانيا (بريكست) من الاتحاد الاوروبي، أول الغيث.

المصادفة وحدها، ربما وضعت ترامب على نفس خط هدف بوتين بتفكيك الاتحاد الأوربي، فالرئيس الامريكي لم يكن فحسب سعيداً بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لكنه أيضاً كان محرضاً عليه في العلن.

أهم متعلقات أمريكا في الشرق الأوسط، وضعها ترامب في (سلة شحاتوف)، بينما يتسابق الروس وبعض الأوربيين، والشرق أوسطيين، على التقاط، ما يخلعه ترامب، أو يبدي زهداً غير مفهوم فيه.

أمريكا تتخفف من جوائز الشرق الأوسط وحوافزه، بينما يتلمظ الروس والأوروبيون لالتقاطها.