تناولت الصحف المحلية خلال الأيام الماضية أخباراً عن تشهير وزارة التجارة بعددٍ من المتورطين في حالات التستر التجاري، والعقوبات الصارمة التي اتخذت في حقهم، والتي شملت -إلى جانب الغرامات المالية- إغلاق المنشآت وشطب السجلات التجارية والحرمان من ممارسة العمل التجاري، مما يدل على جدية الجهات المسؤولة في محاربة تلك الظاهرة، التي حرمت كثيراً من الشباب السعوديين من ممارسة العمل الحر، وتسبَّبت في ازدياد معدلات البطالة، وهروب مبالغ طائلة من الأموال، حوَّلتها تلك العمالة الوافدة إلى بلادها، إلى جانب العديد من الظواهر السلبية الأخرى، مثل تبييض الأموال، والغش التجاري، وحالات السرقة والتزوير، وتفشي ظاهرة التسوُّل.. وغير ذلك من الجرائم الأخلاقية.

وقد ظلت تلك المشكلة هاجساً يُؤرِّق كثيراً من الشباب، بسبب تضييق فرص العمل أمامهم، فالعمال المخالفين الذين يعملون في تلك الأعمال بأسماءٍ سعودية، لا يستعينون سوى بأبناء جلدتهم، لذلك يبذلون قصارى جهدهم لمحاربة الشباب الوطني الذي يحاول تلمُّس مواطئ أقدامه في سوق العمل، وحتى يخلو لهم السوق، فإنهم يلجأون إلى شن حرب أسعار غير متكافئة، لإخراج الشباب السعودي، لعلمهم أن هؤلاء الشباب يعملون برؤوس أموال بسيطة، ولا يستطيعون الصمود طويلاً في مواجهة تلك الحرب.

وفي الوقت الذي تتجه فيه معظم دول العالم إلى تشجيع الشباب على ممارسة العمل الحر، وتقدم فيه التسهيلات الكبيرة لهم، بدءاً من تقديم القروض الميسرة، والإعفاء من الضرائب والجمارك، فإن الواقع في بلادنا لا يشير إلى ذلك، رغم ما تبذله الجهات المسؤولة من جهد، والتوجُّه الواضح للمملكة على هدي رؤية المملكة 2030، التي تنص صراحةً في أكثر من موضع على تقليل نسبة البطالة وسط الشباب، والعمل على رفع مهاراتهم للمنافسة في سوق العمل، عبر برامج التدريب المختلفة، وتشجيع التوجُّه إلى الدراسات الفنية والحرفية.

ورغم القرارات المتتالية لسعودة الكثير من القطاعات، إلا أن كافة تلك الخطوات تصطدم بعقبة التستر، وتضيع معها آمال الشباب الذين تسلَّحوا بالإرادة، وامتلكوا الرغبة في العمل، لكنهم يُفاجأون بواقع يُجبرهم على التنازل عن أحلامهم، والعودة من جديد لانتظار الحصول على وظيفة. ويزداد الإدراك بعُمق المأساة إذا علمنا أن معظم سكان المملكة هم من فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 إلى 35 عاماً، حسب معطيات الإحصاء السكاني الأخير.

لذلك، فإنه ما من سبيلٍ إلى توطين الشباب في سوق العمل لتحقيق الأمن المجتمعي إلا بمواصلة التصدي الفاعل لتلك الظاهرة السالبة، على أن تشترك في المواجهة كافة أطياف المجتمع، خصوصاً المواطنين، للتحذير والتنبيه بمساوئ التستر، وضرره على الاقتصاد والمجتمع، وتشديد العقوبات وتغليظها على المتسترين الذين لا يرون سوى ذواتهم، ولا يستطيعون النظر لأبعد من مواطئ أقدامهم، فارتضوا الحصول على الفتات، فيما ينال المخالفون النصيب الأكبر، دون مراعاة لغيرهم من الشباب الذين هم أغلى ما تمتلكه الأمم، وأعز ما تباهي به غيرها.