عندما دخلت لأول مرة قبل ثلاثة أسابيع إلى مبنى معهد الإدارة العامة بالرياض -القسم النسوي- ذُهلت بما رأيتُ من مبانٍ ضخمة وفاخرة بمعنى الكلمة، وحدَّثت نفسي: هل يمكن أن أُنهي حياتي المهنية بمثل هذا المكان. وتجوَّلت في أروقة المعهد، وإذ بي أشاهد لوحة إعلانات ضخمة تعرض بكل فخر بأن المعهد حصل على أفضل بيئة عمل لعام 2019م.

بيئات العمل المادية والبشرية لها دور كبير في توفير الجو المناسب لتحقيق أعلى معايير الجودة في الأداء والإنتاجية وتعزيز قِيَم الولاء والانتماء الوظيفي، بل إنها تمثل عاملاً مهمًا في توفير أجواء الإبداع والابتكار، وخلق أجواء حميمية بين منسوبي المؤسسة.

الإنسان بطبعه البشري الذي فُطِرَ عليه له متطلباته وحاجاته الأساسية، كما ورد في هرم ماسلو، ولعلها ترتقي في السلم، ليصل إلى حاجته إلى الاحترام وتقدير الذات، وتعد السلامة الجسدية والأمن الوظيفي وأمن الممتلكات من المتطلبات الأولية في سلم الحاجات، ولن يصل أحد إلى قمة الهرم من الشغف والإبداع والقدرة على حل المشكلات إذا لم يتحقق له المتطلبات الأساسية.

من أجل بيئة عمل سعيدة، تتبنَّى المؤسسات العالمية أماكن رائعة، وتُشجِّع على علاقات العمل اليومية العامرة بالثقة والسعادة بين الأشخاص الذين يعملون معهم.. فالثقة تتولد من المصداقية والعدالة والاحترام المتبادل بين كافة الموظفين، قيادات عليا وموظفين وإداريين وعاملين، حينها يشعر الموظف بالفخر وبقوة، بحيث تسود الأجواء المثالية للإنجاز المؤسسي والعلاقة بين الزملاء.

المؤسسات التي تمتلك رؤية واضحة تُحقِّق من خلال تلك الرؤية أهدافها، وتكون قادرة على إلهام الأشخاص المبدعين داخل المؤسسة، وثقة الموظفين في زملائهم وقادتهم تساعد في بناء فريق عمل مميز، وتسهم في تحقيق رؤية المؤسسة وأهدافها الإستراتيجية.

القيادات العليا بالمؤسسات لابد أن تدرك أهمية الاعتراف بأن نجاح المؤسسة مرهونٌ بجهود فريق العمل، بالإضافة إلى المساهمات الفردية للموظفين، فالبدايات القوية والمشاعر الإيجابية التي تتولد في النفس البشرية عندما يلتحق موظف جديد بالمؤسسة تُولِّد لديه مستويات إيجابية من الصداقة الحقيقية وقوة انتماء للمؤسسة، ورغبة حقيقية في العطاء المتميز.

أعتقد بأن المقياس الحقيقي لمدى سعادة مكان العمل هو آراء الموظفين، وتغذيتهم العكسية الشفافة، في ختام برنامجي التدريبي (عن وصف البيئات وعرض التقارير والمؤشرات الإحصائية)، الذي تلقيّته في معهد الإدارة العامة بالرياض، ولابد أن أُسطِّر كلمات الثناء والتقدير لقيادة هذا المعهد، وكل مَن يعمل فيه من كوادرٍ وطنية، تُعدُّ مفخرة حقيقية للوطن، من فتيات وسيدات يُمارسن دورهن الفعَّال في التنمية المهنية، ويُعدُّ هذا المعهد صرحًا وطنيًا يُشار له بالبنان، وقد تجاوزت سنوات عمره الستين عامًا.

هذه تجربتي الأولى في المعهد جعلتني بحق أشعر بمعنى الانتماء الوطني، والإحساس بأننا نمتلك موارد بشرية ومادية قادرة بحول الله لتنطلق بنا نحو تحقيق الرؤية الوطنية، بُوركت جهود كل أبناء وبنات الوطن، ليعتلي القمم التي تليق بالسعوديين.