يوجد في ملاك جهات حكومية الكثير من الوظائف الشاغرة، وليست لديَّ إحصائية رسمية عن عددها، لكنّها كثيرة، أُؤكّد أنّها كثيرة، بمعنى أنّها ليست بالعشرات أو بالمئات بل ربّما بالآلاف!.

وعدد هذه الوظائف كافٍ لحلّ جزء لا يُستهانُ به من مشكلة بطالة شبابنا السعودي، ومع ذلك تُبقِيها الجهات قيْد عدم الإشغال لفترات طويلة تصل لشهور أو لسنوات!.

وأحياناً تُعلِن الجهات عن نسبة قليلة منها للتوظيف، لكن بالقطّارة الشبيهة بقطّارة دواء شراب المضاد الحيوي للأطفال، ولا تتعامل حولها بشفافية، ولا تتعاون مثالياً مع الجهات الحكومية الأخرى المعنية بالتوظيف ومكافحة البطالة، فضلاً عن كشفها لوسائل الإعلام!.

ومن الجهات مَن تتعذَّر بقيامها بدراساتٍ إدارية خاصّة بها، أو بإعادة هيكلة جديدة لإداراتها، أو ببحثها الدقيق عن المرشّحين المناسبين للتوظيف، إلخ، إلخ، إلخ، ممّا يُجبرها (مُكرهاً أخاك لا بطل) على تأجيل وتعطيل إشغال الوظائف، وهذه أعذار أقبح من ذنب، فالمفترض أن يكون إجراء الدراسات الإدارية وإعادة الهيكلة والبحث الدقيق عن المرشّحين مرحلة سابقة وسريعة، وأن تستوعب بمرونة أيّ خطط مستقبلية وإضافات مفاجئة وغير مفاجئة لعدد الموظفين، وحصول خلاف ذلك يُؤكّد وجود خلل إداري في تلك الجهات، ومسؤولين -أصحاب صلاحية- غير أكِفّاء فيها، وتخبّط واضح في القرارات، ممّا يضرب مواردنا البشرية في الصميم، ويُحيل شبابنا لثُلّة من العاطلين، رغم وجود الوظائف بكثرة، لكن مُخبّأة في أدراج المسؤولين وتحت تصرّفهم الكامل!.

أنا، أتمنّى أنُ تُعامَل مثل هذه الجهات بمبدأ (التحريص لا التخوين)، بمعنى أن تُساءل دائماً عن الوظائف المعتمدة لها، وكم وظيفة أشغلتها؟، وكم وظيفة أجّلتها أو عطّلتها؟، ولماذا؟ ومتى؟ وكيف؟، وأن تُحاسب إذا كان البوْن شاسعاً بين عدد الوظائف الشاغرة ونسبة وسرعة إشغالها لها، أمّا أن تُترك في حرمٍ آمنٍ من الحساب فقط لأنها حكومية، فهذا يزيد طينة البطالة بلّة، وقد يتحوّل الموضوع لفسادٍ إداري يجعل الوظائف الحكومية الشاغرة مثوى للأهواء الشخصية، والقرارات الانفرادية!.

وإن كُنّا نلوم القطاع الخاص في تفضيله للأجانب، والتهرّب من توظيف السعوديين وتطفيشهم، فالقطاع الحكومي المُزدان والمُحلَّى بالوظائف الشاغرة الكثيرة هو أوْلى باللوم إذا تقاعس عن توظيف السعوديين وِفْق آلية سريعة وعادلة بعيداً عن المحسوبيات وأخواتها، لا سيّما وأنّ الدولة الرشيدة لم تدّخر جُهْداً ولا مالاً للتوظيف في القطاعين، ولا ينبغي أن تمارس الجهات الحكومية عكس ذلك!.