نجحت المملكة في جمع الفرقاء اليمنيين إلى طاولة الحوار، وإقناع المجلس الانتقالي -الذي يُمثِّل أهل الجنوب- بإعلاء قيمة الحوار مع الحكومة الشرعية، التي يقودها الرئيس عبد ربه منصور هادي، حتى تم تتويج تلك الجهود باتفاق تاريخي، تم توقيعه الأسبوع الماضي تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وحضور ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، ومشاركة دولية واسعة. فكان يوماً مشهوداً من أيام اليمن، تجلَّت فيه الحِكمة اليمنية في أبهى صورها، وتسامت كافة الأطراف فوق خلافاتها الصغيرة، وتعاهدت على التفرُّغ لمواجهة الخطر الداهم الذي يمس وحدة اليمن، ويُهدِّد أجيالها، والتصدي للجماعة الحوثية التي ارتضت العمالة للنظام الإيراني، وتفرَّغت لتنفيذ أجندته الخاصة.

ما شهدته الرياض في تلك الليلة لم يكن مجرَّد التقاء أطراف يمنية لمناقشة قضية عابرة، أو تجاوز خلاف بسيط، بل كان بمثابة تدارس حول كيفية الحفاظ على الوحدة اليمنية، وفق أسس يتوافق عليها الجميع، وترضى بها الأغلبية، فقضية الوحدة بين الشمال والجنوب ظلت طيلة سنوات مضت؛ مثار نقاش وتباين آراء. ورغم ظهور أصوات قليلة تدعو للانفصال، إلا أن حرص المملكة على وحدة اليمن، والعمل على مصالحه جعل صوت الوحدويين هو الأعلى، فتوافق الجميع على تأجيل الحديث عن مواطن الخلاف، والتركيز على مواجهة العدو المشترك الذي يتفق الجانبان على دحره والتصدي له.

وتبدو قوة الاتفاق وشموليته في أنه حوى تصوُّرًا للتوافق حول كل نقاط الخلاف، ولم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وتطرَّق لها، وأوضح كيفية التعامل معها، إضافة إلى الجدول الزمني الواضح الذي تضمّنه لخطوات التنفيذ الفعلي، وتركيزه على توحيد القوات العسكرية تحت قيادة موحدة لتحقيق هدف واحد معلوم، هو استعادة السيطرة على كافة مناطق البلاد، وتنسيق الجهود نحو الزحف على العاصمة صنعاء، لوضع نهاية للكابوس الذي جثم على أبناء الشعب اليمني وأورد بلادهم موارد الهلاك.

ولا خلاف على أن اختلاف المجلس الانتقالي مع حكومة الرئيس هادي خلال الفترة الماضية كان عامل فرقة، تسبَّب في بعثرة الصفوف، واستفاد منه الحوثيون، لذلك كان خوفهم واضحاً بعد توقيع الاتفاق، وحاولوا بكل ما يستطيعون بث سمومهم لتأجيج الأوضاع، واستعانوا في سبيل تحقيق ذلك ببعض الأبواق الإعلامية المأجورة، لنشر الشائعات، والحديث عن اتساع شقة الخلاف بين حكومة هادي والمجلس الانتقالي، وبعد أن أصبح الاتفاق حقيقة وتم توقيعه، واصلوا مساعيهم الخبيثة بالتهوين من شأنه والتظاهر بعدم الاهتمام.

كما سارعت إيران إلى انتقاد الاتفاق، والزعم بأنه لن يجلب السلام إلى اليمن، وما ذلك إلا لإدراكها بأنها الخاسر الأول لإنجازات الدبلوماسية السعودية التي نجحت في التفوق عليها ومحاصرتها وخنقها في العديد من المنابر الدولية. ولو كان لساسة إيران ذرة من ضمير أو حياء، فإن عليهم التوقف عن بث السموم الطائفية، وعدم تصدير مشكلاتهم للخارج، والتركيز على واقعهم الداخلي، بدلاً من العبث بمصائر الشعوب ومستقبل أبنائها، واستخدامها كمجرد أوراق ضغط في ألاعيبهم السياسية التي لا تنتهي.