لم تفلح كل المبادرات التي طرحتها القوى السياسية في إيقاف الثورة الشعبية في العراق، وإطفاء شعلة نار غضب الحراك الشعبي، كما لم تكبح جماحها القوة المفرطة التي انتهجتها قوى الأمن ضد المتظاهرين، والتي خلفت عشرات القتلى ومئات الجرحى، كما لم تخف المتظاهرين توعد الحكومة بعقوبات قضائية تصل إلى السجن المؤبد لكل من يتعرض للمباني الحكومية.. فهناك مطالب عدة لدى الحراك لن تهدأ ثورتهم إلا بتنفيذها وعلى رأسها قطع دابر النظام الإيراني الذي يرونه قد تمدد في الداخل العراقي برغبة من الحكومة، وأصبح دولة داخل دولة، ويخشون من أن يتحول وطنهم إلى (لبنان آخر) مسلوب السيادة، وناقص الشرعية، مرهون إرادته بيد الغير، ووطنًا متحررًا من سيطرة الكتل، فالزيارات المتكررة لقائد فيلق القدس «قاسم سليماني» زادت من تأجبج غضب المحتجبن.

ومع أن رئيس مجلس النواب العراقي «الحلبوسي» قد أعلن بأن المجلس سيطلق مبادرة وطنية شاملة تضم الأطراف بما فيها الرئاسات الثلاث وأكاديميون والمراجع الدينية والطيف الاجتماعي، وأن الأمم المتحدة هي الكفيل الضامن، إلا أن هناك أزمة ثقة بين المتظاهرين وأعضاء الهيئة السياسية، وكذلك مع ممثلة الأمم المتحدة في العراق التي طالب المتظاهرون بإبدالها لفقد ثقتهم بها لانحيازها للحكومة، وتجاهلها للمطالب الأساسية التي ينادي بها العراقيون في تغيير النظام السياسي للعراق كونه مرتهنًا بيد دولة أجنبية هي (إيران) مما يتعارض مع الدستور.

ما يجري في العراق من مصادمات غير متكافئة بين المتظاهرين والقوات الحكومية، يؤكد بأن الحراك ماضٍ هذه المرة إلى الصمود حتى تنفيذ كافة مطالبه مهما كانت التضحيات، وبينما تستخدم قوى الأمن القنابل مسيلة الدموع والرصاص الحي في تفريق المتظاهرين، فإن الحراك يواجه تلك القوة بأسلحة بدائية (المنجنيق والمصيدة بمسامير البراغي والمسامير اللولبية).!

ما نراه اليوم في العراق هو من أحد مثالب الاحتلال الأمريكي للعراق الذي جذر مفهوم الطائفية، وساهم في إيقاظ الفتنة، بل وأشعلها عندما أصر على تهميش السنة وتحميلهم أخطاء النظام السابق، وأعطى الآخرين الدور الأكبر في قيادة العراق من خلال مجلس الحكم والحكومة الانتقالية التي تلته وحتى إجراء الانتخابات، بالإضافة إلى صيغة المحاصصة في توزيع المناصب المهمة في البلاد، والتي انعكست فيما بعد على صياغة الدستور العراقي.

المشكلة ليست في وجود (عادل عبدالمهدي) على رأس الحكومة، بل في الأطر القانونية والدستورية الحاكمة لعملية اختيار وتشكيل الحكومة، حيث تخضع تلك العملية لمبدأ المحاصصة الطائفية، الأمر الذي يعيد أي تفكير في هذا الاتجاه إلى المربع الأول مجددًا.