مِن الآباء مَن يُربِّي أبناءه على الانتقام وإثبات الرجولة، والقسوة على كل من يبدأ بالاعتداء عليه، سواء كان اعتداء لفظي أو جسدي، ومنهم مَن يشحن أبناءه بشأن بعض القضايا، ويُردِّد على مسامعه بعض العبارات العنيفة والأمثال الشعبية، وعنّف ابنه في حال سمع أنه اعتُدي عليه من زميل له، ويمدحه ويثني عليه في حال سمع أن ابنه اعتدى على زميل له في المدرسة، يضاف ذلك إلى عصر التقنية الحديثة الذي نعيشه اليوم وما فيه من أجهزة إلكترونية تعلَّق بها بعض المراهقين، فأدمنوا أفلام الأكشن وألعاب الإجرام والقتل، حتى تقبلت قلوبهم وعقولهم مناظر البطش والإرهاب والقتل.

قضية العنف في بعض المدارس قضية تكررت خلال الفترة الماضية، فبعد وفاة أحد الطلاب (رحمه الله) في الرياض، نتيجة خنق زميل له، ووفاة طالب آخر (رحمه الله) في جدة نتيجة شجار بينه وبين زميله، توفي مؤخراً طالب آخر (رحمه الله) في محافظة شرورة طعناً من زميل له، إثر مشاجرة وقعت بينهما، وهذا الأمر يحتاج إلى تحرُّك عاجل لمواجهته، وإلى وضع آليات وسياسات عامة تضبط الإجراءات التي يجب أن يتبعها الطلاب والمدرسين على حدٍّ سواء في حال حدوث أي شجار أو عراك بين الطلاب أو حتى ملاسنة، والتي كثيراً ما تكون الشرارة الأولى لكثير من حوادث العنف، كما يتضمن ذلك أهمية إجراء تفتيش عشوائي بين فترةٍ وأخرى، للتأكُّد من عدم وجود أي أسلحة أو أدوات حادة لدى بعض الطلاب، ووجود اتصال مباشر مع أقرب مركز شرطة لتلك المدارس لاستدعاء رجال الأمن عند الحاجة، بحيث يعلم كل طالب بأن أي محاولة لزعزعة الأمن داخل المدرسة سيتم مواجهتها فوراً وبكل حزم من قِبَل إدارة المدرسة، ومساندة من الأجهزة الأمنية.

أسباب حوادث العنف في بعض المدارس بقيت معلقة بين البيت والمدرسة، فالمعلم يؤكد بأن السبب يكمن في التربية المنزلية، فيما يعمد أولياء الأمور إلى تحميل المعلمين مسؤولية عدم مراقبة الطلاب، وآخرون يحمّلون وزارة التعليم السبب لكثرة أعداد الطلاب في المدارس فوق طاقتها الطبيعية، مما جعل السيطرة عليهم غير ممكنة، فيما بقيت الحلول المقترحة لعلاج هذا الأمر متواضعة وغير فعَّالة كتطبيق برنامج (رفق) للمساهمة في معالجة مظاهر العنف واكتشافها والتعامل معها داخل المدارس، وتبصير الطلاب والطالبات والعاملين في المدارس والأسر بمفهوم العنف.

ضحايا هذا العنف هم أبناؤنا الطلاب، والوقت ليس وقت تبادل الاتهامات بين المدرسة والمنزل، بل لابد من قيام الوزارة بالعمل على توحيد الجهود لوضع برنامج عملي عاجل ومباشر يضع حداً لمثل تلك الحوادث، ويُبادر لاكتشاف ميول العنف عند الطلاب، ويضع علاجا مشتركا بينه وبين المنزل، ويحد من مُؤثِّرات تحفيز العنف المختلفة، سواء كانت ألعاباً إلكترونية أو أفلاماً أو تربية، أو أي سلوكيات أخرى مختلفة.