قامت المملكة العربية السعودية منذ توحيدها على يد الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود -طيب الله ثراه- على قواعد وأسس واضحة، في مقدمتها مد يد العون للمحتاجين في كافة أصقاع الأرض، ومساعدة كل مَن يحتاج للمساعدة، بغض النظر عن دينه أو جنسيته أو مواقفه السياسية، انطلاقاً من تعاليم الدين الإسلامي وهدي الشرع الحنيف، الذي قرَّر بوضوح كرامة الجنس الإنساني، وجعل في كل كبد رطبة أجر، بل إن «بغي يهودية دخلت الجنة في كلب سقته» عندما أحسّت بعطشهِ وحاجته للماء، كما دخلت امرأة النار في هرّة حبستها حتى ماتت، لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، كما أخبرنا بذلك نبينا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، وقد وضعت قيادة هذه البلاد المباركة هذا التوجُّه الصريح نصب عينيها، واتخذته أساساً في تعاملها مع الآخرين، انطلاقاً من كونها أرض الرسالة الإسلامية، ومنبع النور، وحاضنة الحرمين الشريفين.

خلال السنوات الثلاثين الماضية اشتهرت المملكة بكونها رائدة دول المنطقة في عمليات فصل التوائم السيامية، التي يشرف عليها الطبيب العالمي البارع عبدالله الربيعة، حيث أُجريت أول عملية من هذا النوع في الحادي والثلاثين من ديسمبر عام 1990، لتصل في الوقت الراهن إلى 48 عملية، تكلَّلت جميعها بالنجاح الباهر، وحققت سمعة متميزة للحقل الطبي السعودي، بعد أن اكتسب أطباؤنا الوطنيون خبرة كبيرة في هذا المجال، إضافةً إلى توفُّر التقنيات الطبية المتطورة الضرورية لمثل هذه العمليات المعقَّدة، والتي لا تتوفر في دول المنطقة، وتكاد تكون حصراً على أمريكا والدول الأوروبية المتقدمة.

والمملكة عندما تتفرَّد في هذا المجال، وتواصل مد يد العون للآباء والأمهات الذين ابتلاهم الله بمواليد ملتصقين، وتتكفَّل حكومتها بكافة التكاليف اللازمة لإجراء هذه العمليات، والتي قد تتجاوز في الحالة الواحدة مليون ريال، فإنها لا تهدف سوى لاستمرار إسهامها الإنساني اللافت على كل المسارات، إقليمياً وعالمياً، وتأكيد القيم الإسلامية النبيلة والشيم العربية الأصيلة التي قام عليها مجتمعها، مما أكسبها لقب «مملكة الإنسانية»، بعد أن تجاوز عطاؤها الحواجز الجغرافية، والاعتبارات الثقافية والدينية، والدليل على ذلك أن المستفيدين من هذه الخدمة توزّعوا ما بين الدول العربية والإفريقية، حتى أوروبا كان لها نصيب من ذلك العطاء، حيث أجريت عملية فصل سيامي ناجحة لتوأم بولندي.

ردود الأفعال الإيجابية لهذا الفعل الإنساني النبيل تتجاوز كل التصورات والحسابات، ويكفي القول إن آباء بعض أولئك الأطفال لم يجدوا ما يُعبِّرون به عن شكرهم لهذه البلاد سوى اعتناق الإسلام، بعد أن رأوا بأعينهم انعكاس مبادئه الخيرة في تصرفات أبنائه المؤمنين، بل إن تأثير ذلك امتد ليشمل اعتناق قرية كاملة في الكاميرون للإسلام، تفاعلاً منهم مع مبادرة المملكة بفصل التوأم السيامي الكاميروني «فنبوم ووشفوبو» في يوليو 2007، بعد أن شرح والدهما لأقاربه ما رآه من إنسانية، وما لمسه من عطفٍ ونبل وصدق في التعامل. ألم أقل لكم إنها مملكة الإنسانية ومنبع النور؟.