تكلَّمتُ في مقالٍ سابق عن واقع التعليم العالي في المملكة، والتحديات التي واجهته، والميزانيات الكبيرة التي رُصدت لتوفيره في كل مدن وقرى المملكة، وأنه لعدم وجود بدائل وقتها، يتوجَّه جميع خريجي الثانوية تقريبًا إلى الجامعات، وبيّنتُ ما نتج عن ذلك من سلبيات. كان ذلك مصاحبًا للطفرة المالية الكبيرة من ارتفاع أسعار النفط، وكما يُقال: «دوام الحال من المحال». ولنا في قصة يوسف عليه السلام عِبرة، إذ كانت قاعدة اقتصادية قائمة على توظيف زمن الرخاء لضمان الاستمرار في زمن الشدة، خاصةً وأن بين أيدينا من الحقائق في إطار التعليم العالي في المملكة تجعل من استحضار هذه الرؤية «اليوسفية»، ضرورة حياة وبقاء.

الأولى: تزايد تكلفة التعليم العالي.

الثانية: تزايد أعداد خريجي الثانوية.

الثالثة: كثرة المشروعات التنموية.

هذه الحقائق تجعل الدعم الذي يلقاه التعليم العالي في المملكة عُرضةً للخطر! فالدولة لن تبخل وإنما لكل قدرة حدود، ومسؤولية الدولة الموازنة بين كل قطاعاتها التنموية. في علم الاقتصاد هناك ما يُعرف بالدورات الاقتصادية التي لا تخلو من مراحل ركود قد تضطر فيها الدول إلى وضع خطط تقشفية تأتي على حساب كثير من أحلام المستقبل. لذلك فمن المأمول أن تدرك الجامعات السعودية أن السباق المعرفي قد تتجاوز تكاليفه ما ترصده الدولة من ميزانيات، فيجب عليها تأمين مصادرها المالية البديلة عن طريق تشجيع أعضاء هيئة التدريس لديها لتسخير البحث العلمي في خدمة المجتمع، وإنشاء الكراسي العلمية والدورات مدفوعة الثمن، ناهيك عن الاستشارات ومكاتب الخبرة والأوقاف الجامعية، ومبادرات أودية التقنية ومشروعات ريادة الأعمال وغيرها. فعلى سبيل المثال، تُقدّر الميزانيات السنوية للجامعات السعودية مجتمعة في حدود الخمسين مليار ريال، على حين يبلغ دخل جامعة هارفرد الأمريكية وحدها خمسة وثلاثين مليار دولار، والأصول العقارية للكلية الجامعية بلندن في شارع (غَوَر) وميدان (رسل) في منطقة (بلوم سبري) بلندن جعلها من أكبر الجامعات البريطانية من حيث الممتلكات. وعلى الجامعات السعودية أيضًا، أن ترفع معايير القبول وتبدع في التخطيط وقيادة حركة التحول، وتحقيق رؤية القيادة الرشيدة، والتي أساسها تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على البترول كمصدرٍ وحيد للدخل، لأنه ما من شك سيأتي يوم وإذا ليس لدينا نفط.

إن الأجيال القادمة لها حقٌّ علينا، ولا يجوز أن ننسى في لحظات الرخاء أن ثمة أجيالاً قادمة قد تجيء في ظروف أصعب من ظروفنا، وواقع أقسى من واقعنا، ومن واجبنا أن تكون كل خطواتنا حريصة على توفير مستقبل مشرق وآمن ولائق بهم بإذن الله.

قال معالي وزير النفط الأسبق هشام ناظر يرحمه الله، في كلمة له خلال افتتاح مشروعات سابك عام 1984م: «لا يختلف اثنان على أن بلادنا لا تحتمل الاعتماد كليًا على تصدير البترول، فالعالم يتحوَّل بسرعة نحو مصادر بديلة، ولن يترك بابًا في هذا الشأن إلا وطرقه، والذين لا يرون هذه الحقيقة اليوم سيكونون أول مَن يجوع غدًا».