إلحاقًا بمقالي عن مصطلح (غزوة) في مناهجنا الدراسية، فالبعض يُعارِضُون ويُهاجِمُون ويَتَّهِمون الآخَر بالعمالة لغير المسلمين من غيرِ علم، فقط ليُعارِضوا، وليُظهِروا للناس أنّهم حُرَّاس العقيدة والإسلام، فقد اعتبر بعضهم مصطلح (غزوة) من الثوابت في الإسلام، مستنكرًين ما وقع فيه مُؤرِّخو السيرة من خطأٍ كبير في إطلاقهم هذا المصطلح على حروبه -صلى الله عليه وسلّم-، ‏‫واصفًا أحدهم من يُنبِّه إلى هذا الخطأ، أنّه بلوغ المسلمين من الذلّة في هذا العصر، حتى أصبحنا نخاف من مجرد الألفاظ التي تحمل عدة محامل، خشية من العدو الذي قد يُؤاخذنا على إحدى تفسيراتها.

وأقول هنا ردًا على هذا القول: إنّ مرجعيتنا الأساسية القرآن الكريم، فعندما تحدَّث الله تعالى عن حروبه -صلى الله عليه وسلم- لم يُطلق عليها مصطلح (غزوة)، فهذا المصطلح لم يَرِد في القرآن، وها هي المواقع التي تحدَّث عنها القرآن:

1- بدر: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ)، وهنا صرَّح القرآن باسم (بدر) ولم يُسمها بـ(غزوة).

2- أُحد: ذُكِرَت بشيءٍ من التفصيل في سورة آل عمران، وإن لم يُذكر اسمها، (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا)146.. (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ)154.

3- الأحزاب (الخندق): ذُكِرَت بشيءٍ من التفصيل في سورة الأحزاب (..إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا)9.. (يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا)20.

4- تبوك: ذُكِرَت في سورة التوبة (ولَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا)92-93.

5- صُلح الحديبية: ذُكِرَت في سورة الفتح (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ..)10، (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)18، (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ)27.

6- فتح مكة: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا).

7- حُنين: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ)التوبة:25، ذكر (حُنين) فلم يُطلق عليها (غزوة)، وإنّما سمَّاها بِـ(يوم حُنيْن).

8- بنو المصطلق: ورد ذكرها في سورة المنافقون (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)8.

9- بنو قينقاع: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ)آل عمران 12-13.

10- بنو قريظة: (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا)الأحزاب 26.

11- خيبر: (وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا)الفتح 19.

12- الطائف: (وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا)الفتح 21.

إن مصطلح (غزوة) لم يُطلقه القرآن، وإنّما أطلقه مُؤرِّخو السيرة النبوية على المعارك التي خاضها الرسول -صلى الله عليه وسلم-، مع أنّ هذا المصطلح لا ينطبق على حروبه التي كانت دفاعية، وليست هجومية، فكلمة (غزا) في اللغة تعني: غزا العدوَ: هاجمه، سار إلى قتاله في أرضه، غَزَا الشَّيْءَ: أَرَادَهُ وَطَلَبَهُ، وهذا المعنى لا ينطبق على غزواته عليه الصلاة والسلام، فإن أخطأ المؤرخون، فنحن غير ملتزمين بالخطأ، بل واجبنا تصحيحه، لأنّه أعطى لأولادنا صورة عن الإسلام بأنّه دين عنف، انتشر باستخدام القوة، وهذا من المنافذ التي نفذ منها مُخطِّطو الإلحاد لتشكيك بعض شبابنا في سلمية الدعوة إلى الإسلام.

فعلى أي أساس يعتبر البعض أنّ مصطلح (غزوة) من الثوابت، ومن المذلّة نقده، وقد أطلقه مُؤرِّخون (بشر) وأخطأوا في ذلك؛ إذ غيّروا المعنى اللغوي لـ(غزوة)، فحروبه عليه الصلاة والسلام كلها كانت دفاعية، وليست هجومية، فلم يخرج للقتال لأهدافٍ توسعية، وإنّما لصد هجوم قادم، ومعد له إلى المدينة، أو مكة، وبعضها حدث في المدينة، فكيف يُطلَق عليها غزوات؟!.

إنّ التمسك بمصطلحاتٍ خاطئة رغم بيان مواطن الخطأ فيها، بل واعتبارها من الثوابت، لهو من المغالطات الكبرى التي يجب ألا يقع فيها المسلمون.