على غير المألوف في سلوكيات الطائفة اليهودية في المملكة المتحدة البريطانية؛ فلقد ارتفع صوت كبير حاخامات بريطانيا بالتحذير من صعود حزب العمّال إلى السلطة في بريطانيا في الانتخابات القادمة، لأنه يحتضن أصواتًا يزعم هذا الحاخام أنها تتضمن عداء للسامية؛ أي عداء لليهود وحدهم وليس ضد جميع الإثنيات الأخرى.

وهذه ليست المرة الأولى التي تطلب فيها المرجعيات الدينية اليهودية من حزب العمّال وزعيمه الإقدام على ما يمكن اعتباره اعتذارًا ليهود بريطانيا لكلمة أو لعبارة حسب رأيهم تشتم منها رائحة عداء السامية. والغريب جدًّا أنه عند إنشاء الكيان الإسرائيلي الغاصب لأرض فلسطين العربية المسلمة، فلقد شجعت الأصوات المؤيدة لإسرائيل إنشاء الكيان وبالتالي انسحاب القوات البريطانية، والتي كانت تمثّل ما يعرف بـ»سلطة الانتداب».

ويذكر الإرهابي مناحيم بيجن Menahem Begin في مذكّراته أنه عندما صعد حزب العمّال إلى السلطة في سنة 1945م ساد الفرح والسرور أوساط اليهود لأن الحزب كان مؤيدًا لإنشاء دولة دينية يهودية، وإن كان وزير الخارجية آنذاك؛ إرنست بيفن Ernest Bevin، قد حذّر حزبه -أي العمّال- من خطوة كهذه لأنها حسب رأيه سوف تفسد العلاقة بين العرب وبريطانيا، وبسبب هذا الرأي لم يسلم بيفن من تهمة عداء الصهيونية؛ حيًّا وميتًا. وظل حزب العمّال إلى نهاية الخمسينيات الميلادية وهو يرفع راية الانتصار للحركة الصهيونية بوصفها حركة فكرية وسياسية، وخصوصًا أن ما يجمع بين إسرائيل وحزب العمّال هو الأخذ بمنهج الرؤية الاشتراكية الفابية.

وربما من باب التكفير عن المواقف العمّالية التي تزامنت مع إنشاء الكيان الإسرائيلي الغاصب نشأت في داخل حزب العمّال تيارات سياسية تؤيد إنشاء دولة فلسطينية دون أن يعني ذلك التحلّل من تأييد إسرائيل. وكانت نهاية السبعينيات الميلادية منطلقًا لهذا الفكر المتحرّر من السلطة الإسرائيلية. إلا أن الجالية اليهودية في بريطانيا لم تتدخّل في الماضي في مسار الانتخابات البريطانية؛ بل كان بعض السياسيين البريطانيين من أصول يهودية يؤيدون السلطة الفلسطينية؛ مثل النائب العمّالي وزير خارجية الظل الراحل جيرالد كوفمان Gerald Kaufman، فلقد كان من المسارعين إلى الالتقاء بالرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في مقر إقامته آنذاك بدولة تونس العربية. ومن مظاهر عداء التيار المتشدد اليهودي في بريطانيا أنه أخذ موقفًا معاديًا لكوفمان، وأمثاله داخل حزب العمّال من مؤيدي حق الشعب الفلسطيني.

ومع وصول جيرمي كوربن Jeremy Corbyn لزعامة حزب العمّال بدأ العداء للحزب ونوابه ووصمهم بالتهمة المعتادة؛ وهي عداء الساميَّة. ورغم أن كوربن أصدر عدة بيانات رسمية يؤكد فيها خلوّ صفوف الحزب من أعداء السامية؛ إلا أن ذلك الأمر لم يلقَ أذنًا صاغية من بعض المؤسّسات اليهودية والصهيونية العاملة داخل بريطانيا؛ بل ذهب بهم التسلّط والعنجهية إلى أن أي انتقاد لسياسة إسرائيل، حتى لو كان قتلاً للنساء وسفكًا لدماء الأطفال، وإزهاقًا لأرواح الشيوخ الكبار، وحرمانًا من بعض ضرورات الحياة داخل الشعب الفلسطيني، كل ذلك وأكثر، في العرف الإسرائيلي الصهيوني المعاصر يدخل في باب عداء السامية، ويتحمّل الغرب مسؤولية نموّ هذا التيار، الذي لم يلقَ من يكبح جماحه.

ويبدو أن زعيم حزب المحافظين، ورئيس الوزراء البريطاني الحالي، بوريس جونسون Boris Johnson، قد أتاح للصوت اليهودي أن يرتفع في هذه الانتخابات القادمة، عندما صرّح علنًا بأنّه صهيوني حتى النخاع. وندرك بأن جميع المناصرين للحركة الصهيونية في الغرب، هم يعتبرونها هوية دينية وفكرية وثقافية، وهذا ما يستدعي أن تقوم المؤسّسات العربية والإسلامية بتبيان حقيقة الموقف العربي، وأنه ليس ضد اليهودية كدين؛ ولكنه ضد الصهيونية كحركة سياسية، مثل جميع الحركات المتطرفة والإرهابية في جميع بقاع العالم.