مَن يَدخُل مَجَالِس النَّاس ويَسمَع نقَاشَاتهم، يَجد أنَّهم يَعيشون فِي ثَلاثةِ أَزمِنَة مُختَلِفَة، شَريحَة كَبيرة مِنهم تَتحدَّث عَن المَاضِي، والزَّمَن الجَميل، و»أَهَل أوَّل»، و»كُنّا كدّه»، وهَؤلاء يَتحسَّرون عَلَى المَاضي، ولَا يُدركون جَمَاليَّات الوَاقِع..!

أمَّا الشَّريحَة الثَّانيَة، فهي التي تُؤجِّل أَفرَاح اليَوم إلَى الغَد، حَيثُ تَتحدَّث عَن المُستَقبَل، وتَتَجَاهَل اللَّحظَة الحَاليَة، فإذَا سَأَلتَهم عَن الفَرح قَالُوا: «لَن نَفرح إلَّا إذَا تَزوَّجنا، أَو تَخرَّجنا وحَصلنَا عَلَى وَظيفَة»..!

أمَّا الشَّريحَة الثَّالِثَة – وهي الأَقَل- أُسمِّيها شَريحة «العرفج»، تِلك التي تَستَشعر قوّة اللَّحظَة، وجَمَاليَّات الوَاقِع، التي قَد لَا يُدركها مَن يَنظُر إلَى المَاضي، أَو يُراهِن عَلَى المُستقبَل..!

نَعَم، المَاضِي جَميل بكُلّ مَا فِيهِ، ولَكنَّه مَضَى ولَن يَعود، مَهمَا تَحسّرنا عَليه، وكَتبنَا الأَنَاشيد عَنهِ.. ونَعَم، المُستَقبَل سيَكون -بإذن الله- مُشرِقاً، ولكنه لَم يَحِن بَعْد، لِذَلك دَعونَا نَلعب عَلَى المَضمُون، ونَتَعَاطَى الوَاقِع، ونُردِّد مَع «محمد عبده»: «خَلِّينا فِي الحَاضِر، ننسَى اللي كَان، لَا نتعِب الخَاطِر، نَحسب لرَأي النَّاس». أَو دَعونَا نُردِّد قَول شَاعرنَا القَديم «أبي العتاهية»:

مَا مَضَى فَاتَ وَالمُؤمَّلُ غَيْبٌ

وَلَكَ السَّاعَة الّتِي أَنْتَ فِيهَا!!

حَسنًا.. مَاذَا بَقَي؟!

بَقَي القَول: لَن أَقول لَكُم: عِيشُوا الوَاقِع، واستَمتعوا بهَذه اللَّحظَات، التي ستَبكُون عَليهَا بَعد عَشر سَنوَات، بَل أَقول: شُكراً للإنجلِيز، الذين عَلَّموني أَنَّ (الحَاضِر هديّة مِن الله)، لِذَلك يُسمُّونه present، فهو يُمَاثِل كَلِمَة Gift وهي النِّعمَة، أَو الهِبَة أَو الهديَّة، لِذَلك دَعوني أَتَمتَّع بالهديّة، قَبل أَنْ تَنتَهي صَلاحيّتهَا..!!