لم أعرف حتى الآن سر تسمية أشهر المقاهي أو «الكوفي شوب» في العاصمة النمساوية فيينا بـ»عايدة»!، ولم أتبيَّن ما إذا كانت «عايدة» المقصودة هي بطلة القصة التي ألفها ميريت باشا عالم المصريات الفرنسي الشهير، وكتب نصها الغنائي (الليبرتو) جيسلا نزوني ولحنها الموسيقار الإيطالي فيردي عام 1870 بطلب من الخديوي إسماعيل، أم لا؟!، مع ذلك، فقد ظللت أتردد على «عايدة» طيلة بقائي في فيينا!.

صحيح أن «عايدة» في تلك الأوبرا العظيمة كانت أثيوبية لا مصرية، لكن حبيبها كان مصرياً وقائداً للجيش حكم عليه فرعون بالإعدام، لثبوت محاولة هروبة بمحبوبته الى الحبشة، عبر النيل العظيم! والمهم أنني خرجت من «عايدة»، متمحكاً أو مختالاً بمصريتي، وعروبتي!.

وحين زرت روما، ورغم رخص السكنى في أحياء متفرقة، حرصت على اختيار فندقي في «بربرينا سكوير» أو ميدان البرابرة! كيف أترك السكن في هذا المكان، وأنا أعتز كثيراً بدرب البرابرة الذي كان في قريتي «رملة الأنجب» هناك بالقرب من محل العم حداد، ناهيك عن شارع بنفس الاسم «شارع البرابرة» في القاهرة حيث البهجة وشراء مستلزمات الأفراح والعرائس، ويرجع تاريخه إلى أكثر من 100 عام.. ويقال إن جماعة من البربر جاءت إلى القاهرة للعمل كخدم لدى الباشوات أثناء حكم محمد علي وكان المكان قريباً من القصور الرئيسية لحكام مصر فأقاموا فى المكان وأصبحوا مجتمعاً صغيراً، لذلك سُمي بهذا الاسم.

خرجت من «بربرينا سكوير» في روما متجهاً الى «الفاتيكان»، وحين أنهيت حواري الصحفي عن فلسطين مع الأساقفة المسؤولين عن الشرق الأوسط، وبينما كنت أقف للتصوير في الميدان الفسيح، شممت عطر مصر الفواح! لقد اكتشفت أن المسلة الشامخة في الميدان مصرية، استولى عليها الإمبراطور الروماني كاليجولا من مكانها في مدينة عين شمس وأرسلها لروما، ثم انتقلت في القرن الـ16 لميدان سان بيتر (الفاتيكان حالياً) بأمر من البابا سيكستوس الخامس.

شعرت حينها أن المسلة تحملق في عيني من أعلى عرشها الجميل، وتوصيني بالحديث عنها وعن تاريخ مصر الطويل! رأيتها تمد نظرها على الميدان، تسمع وقع الأقدام، وتحكي عما جرى وكان، وهي تتجرع غربة السنين ومرارة الأيام! لا أدري على وجه الدقة، لماذا انتابني شعور بالأسى، وأنا أمضي في الطريق، وأكاد أسمعها تقول.. ما أقسى الأفول، ما أتعس الظلال.. سمعتها أو خلتُها تسألني: لماذا أنا هنا.. أنا هنا لماذا؟!ّ لا أحد يجيب!

سافرت من روما مباشرة إلى فرنسا لحضور مؤتمر في باريس، وفي المساء كنت أقف في ميدان الكونكورد، حيث تنتصب مسلة رمسيس الثاني، التي تم نقلها من مدخل معبد الأقصر، عام 1833. ورغم ترجمة النص الهيروغليفي المكتوب عليها والذي يقول: «رمسيس... قاهر كل الشعوب الأجنبية السيد على كل من لبس تاجًا، المحارب الذي هزم الملايين من الخصوم والأعداء والذي خضع العالم كله لسلطانه، ومعترفًا بقوته التي لا تُقهر». رغم ذلك كله، خلتها تقول: أنا منذ ذاك المساء الأليم، أعاني الهموم، وأتيه في هذا الفراغ العقيم.. أحاكي النجوم، وأبكي على ضياع مجدنا القديم!

عدت إلى لندن، وفي اليوم التالي توجهت في المساء إلى المسلة الشامخة على نهر التايمز، والتي كنت أدري مبكراً أنها مصرية، وأنها هدية من والي مصر محمد علي باشا لحكومة إنجلترا تخليداً لذكرى انتصار القائد نيلسون على الفرنسيين في معركة أبو قير البحرية!، تأملت الخدوش المنقوشة على المسلة، وأنا أمسح بيدي عليها وكأنها كائن حي!، لقد أصابتها الغارات الألمانية على لندن في الحرب العالمية الأولى، وآثر الإنجليز تركها هكذا لتكون شاهدة على الاعتداء الأثيم على لندن!.

لا أدري في هذه المرة، لماذا خلت دموعها تتساقط عند الغروب، ولماذا أحسست بحجم الأسى عند خريف المغيب؟، لقد أحسست حينها أن جراحها منذ الحرب العالمية، بل منذ نقلها من مكانها في الأسكندرية لا تطيب!، رأيتها تحلم بالحمام، يرتاح آمناً فوقها، وهو يرى السحاب يكاد يلامس خدها.. وحين كنت أغادر المكان، كأنني سمعتها تقول: افسحوا الميدان.. أيها الجنود: دعوني أعانقه، فكوا عني هذه القيود.. أفسحوه لهذا الفتى القادم من بلدي البعيد.. إنه يريد.. ترديد النشيد.. وكنت أردد: بلادي بلادي بلادي.. لك حبي وفؤادي!.